المجلة المنتدى التحكم التسجيل اتصل بنا

التاريخ الاسلامى يختص هذا المنتدي بسرد التاريخ الاسلامي من فتوحات وانتصارات وقصص للصحابه رضوان الله عليهم اجمعين

إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 18-09-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Mar 2009
الجنـــــــــــس : male
مكان الإقـامـة : اسكندرية
المشاركـــــات :  2,994
افتراضي قصة التتار - ما أشبه اليوم بالبارحه


ظهور التتار
ظهرت قوة التتار في أوائل القرن السابع الهجري، وحتى نفهم الظروف التي نشأت فيها هذه القوة لابد من إلقاء نظرة على واقع الأرض في ذلك الزمان..
الناظر إلى الأرض في ذلك الوقت يجد أن القوى الموجودة كانت متمثلة في فئتين رئيسيتين:
أما الفئة الأولى فهي أمة الإسلام..
المساحات الإسلامية في هذا الوقت كانت تقترب من نصف مساحات الأراضي المعمورة في الدنيا.. كانت حدود البلاد الإسلامية تبدأ من غرب الصين وتمتد عبر آسيا وأفريقيا لتصل إلى غرب أوروبا حيث بلاد الأندلس..
وهي مساحة شاسعة للغاية، لكن وضع العالم الإسلامي - للأسف الشديد - كان مؤلماً جداً.. فمع المساحات الواسعة من الأرض، ومع الأعداد الهائلة من البشر، ومع الإمكانيات العظيمة من المال والمواد والسلاح والعلوم.. مع كل هذا إلى أنه كانت هناك فرقة شديدة في العالم الإسلامي، وتدهور كبير في الحالة السياسية لمعظم الأقطار الإسلامية.. والغريب أن هذا الوضع المؤسف كان بعد سنوات قليلة من أواخر القرن السادس الهجري.. حيث كانت أمة الإسلام قوية منتصرة متحدة رائدة.. ولكن هذه سُنة ماضية: [وتلك الأيام نداولها بين الناس].


الهجمة التترية الأولى
فكر "جنكيزخان" في أن أفضل طريقة لإسقاط الخلافة العباسية في العراق هي التمركز أولاً في منطقة أفغانستان وأوزبكستان؛ لأن المسافة ضخمة بين الصين والعراق، ولابد من وجود قواعد إمداد ثابتة للجيوش التترية في منطقة متوسطة بين العراق والصين.. كما أن هذه المنطقة التي تعرف بالقوقاز غنية بثرواتها الزراعية والاقتصادية.. وكانت من حواضر الإسلام المشهورة، وكنوزها كثيرة.. وأموالها وفيرة.. هذا بالإضافة إلى أنه لا يستطيع تكتيكياً أن يحارب العراق وفي ظهره شعوب مسلمة قد تحاربه أو تقطع عليه خطوط الإمداد..
كل هذه العوامل جعلت "جنكيزخان" يفكر أولاً في خوض حروب متتالية مع هذه المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية، والتي تعرف في ذلك الوقت بالدولة الخوارزمية.. وكانت تضم بين طياتها عدة أقاليم إسلامية هامة مثل: أفغانستان وأوزبكستان والتركمنستان وكازاخستان وطاجكستان وباكستان وأجزاء من إيران.. وكانت عاصمة هذه الدولة الشاسعة هي مدينة "أورجندة" (في تركمنستان حاليًّا).
وكان جنكيزخان في شبه اتفاق مع ملك خوارزم (محمد بن خوارزم شاه) على حسن الجوار، ومع ذلك فلم يكن جنكيزخان من أولئك الذين يهتمون بعقودهم، أو يحترمون اتفاقياتهم، ولكنه عقد هذا الاتفاق مع ملك خوارزم ليؤمّن ظهره إلى أن يستتب له الأمر في شرق آسيا، أما وقد استقرت الأوضاع في منطقة الصين ومنغوليا، فقد حان وقت التوسع غرباً في أملاك الدولة الإسلامية!..
ولا مانع - طبعاً - من نقض العهد، وتمزيق الاتفاقيات السابقة.. وهي سنة في أهل الباطل: [أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم لا يؤمنون]
ولكن.. حتى تكون الحرب مقنعة لكلا الطرفين، لابد من وجود سبب يدعو إلى الحرب، وإلى الادعاء بأن الاتفاقيات لم تعد سارية، وقد بحث "جنكيزخان" عن سبب مناسب، ولكنه لم يجد...
ولكن - سبحان الله - لقد حدث أمر مفاجئ بغير إعداد من جنكيزخان!!.. وهذا الأمر المفاجئ يصلح أن يكون سبباً مقنعاً للحرب.. نعم، لقد جاء هذا السبب مبكراً بالنسبة لإعداد جنكيزخان ولرغبته، ولكن لا مانع من استغلاله.. ولا مانع أيضاً من تقديم بعض الخطوات في خطة الحرب، وتأخير بعض الخطوات الأخرى..
ما هي الذريعة التي دخل بها "جنكيزخان" أرض خوارزم شاه؟!
لقد ذهبت مجموعة من تجار المغول إلى مدينة "أوترار" الإسلامية في مملكة خوارزم شاه.. ولما رآهم حاكم المدينة المسلم، أمسك بهم وقتلهم!..
أما عن سبب قتلهم.. فقد اختلف المؤرخون في تفسير هذه الحادثة:
فمنهم من يقول: إن هؤلاء ما كانوا إلا جواسيس أرسلهم جنكيزخان للتجسس على الدولة الإسلامية أو لاستفزازها، ولذلك قتلهم حاكم مدينة أوترار..
ومنهم من يقول: إن هذا كان عمداً كنوع من الرد على عمليات للسلب والنهب قام بها التتار في بلاد ما وراء النهر، وهي بلاد خوارزمية مسلمة..
ومنهم من يقول: إن هذا كان فعلاً متعمداً بقصد استثارة التتار للحرب، ليدخل خوارزم شاه بعد ذلك منطقة تركستان، والتي هي في ملك التتار آنذاك.. وإن كان هذا الرأي مستبعداً؛ لأن "محمد بن خوارزم شاه" لم تكن له أطماع تذكر في أرض التتار.. وكل ما كان يريده هو العهد على بقاء كل فريق في مملكته دون تعدٍّ على الآخر.. وليس من المعقول أن يستثير التتار وهو يعلم أعدادهم وجيشهم، وليس من المعقول أيضاً أنه لم يكن يدري عن قوتهم شيئاً وهم الملاصقون له تماماً، وقد ذاع صيت زعيمهم "جنكيزخان" في كل مكان..
ومن المؤرخين أيضًا من يقول: إنما أرسل جنكيزخان بعضاً من رجاله إلى أرض المسلمين ليقتلوا تجار التتار هناك حتى يكون ذلك سبباً في غزو البلاد المسلمة، وإن كان هذا الرأي لا يقوم عليه دليل..
ومنهم من قال: إن خوارزم شاه طمع في أموال التجار فقتلهم لأجلها..
كل هذه احتمالات واردة، لكن المهم في النهاية أن التجار (أو الجواسيس) قد قُتلوا.. ووصل النبأ إلى جنكيزخان، فأرسل رسالة إلى "محمد بن خوارزم شاه" يطلب منه تسليم القتلة إليه حتى يحاكمهم بنفسه، ولكن "محمد بن خوارزم شاه" اعتبر ذلك تعدياً على سيادة البلاد المسلمة؛ فهو لا يسلم مجرماً مسلماً ليحاكم في بلدة أخرى بشريعة أخرى.. غير أنه قال: إنه سيحاكمهم في بلاده.. فإن ثبت بعد التحقيق أنهم مخطئون عاقبهم في بلاده بالقانون السائد فيها وهو الشريعة الإسلامية..
وهذا الكلام وإن كان منطقياً ومقبولاً في كل بقاع الأرض إلا أنه بالطبع لم يكن مقنعاً لجنكيزخان.. أو قل: إن جنكيزخان لم يكن يرغب في الاقتناع؛ فليس المجال مجال حجة أوبرهان أو دليل.. حقيقة الأمر أن جنكيزخان قد أعد لغزو بلاد المسلمين خططا مسبقة.. ولن يعطلها شيء.. وإنما كان يبحث فقط عن علة مناسبة، أو شبه مناسبة، وقد وجد في هذا الأمر العلة التي كان يريدها..



تكملة (التتار - ما أشبه اليوم بالبارحه)

الاجتياح التتري الثاني
أتت سنة 628 هجرية تحمل هجمة تترية بشعة جديدة على الأمة الإسلامية.. وقد تضافرت عوامل شتى جعلت هذا الاجتياح الجديد على نفس مستوى الاجتياح الأول الذي حدث سنة 617 هجرية إلى سنة 620 هجرية، أو لعله أبشع وأسرع...
من هذه العوامل:
1ـ استقرار ملك التتار في منغوليا بعد وفاة جنكيزخان؛ فقد تولى قيادة التتار الزعيم الجديد "أوكيتاي"، وأخذ ينظم أمور مملكته في معقلها بمنغوليا والصين، وذلك سنة 624 إلى سنة 627 هجرية..
وبعد أن تم له ذلك بدأ يفكر من جديد في اجتياح العالم الإسلامي، واستكمال الحروب بعد ذلك في منطقة روسيا - التي هُزمت فيها قبل ذلك الجيوش التترية -، ومحاولة استكمال الفتوح في داخل أوروبا.. ويبدو أن اجتياح الخلافة العباسية ذاتها وإسقاط بغداد لم يكن من أهداف هذه الحملة؛ لأنها تجاوزتها إلى أوروبا دون الوقوف أمامها كثيراً، وذلك إما لشدة حصانتها وكثافة سكانها، وإما لتجنب إثارة كل المسلمين في العراق والشام ومصر إذا أسقطت الخلافة العباسية، والتي كانت تمثل رمزاً هاماً للمسلمين على ضعفها.. فأراد التتار أن يجعلوها الخطوة الأخيرة في فتوحاتهم.. وهذا هو عين الذكاء..
كلف الخاقان الكبير" أوكيتاي" أحد أبرز قادته بالقيام بمهمة الاجتياح التتري الثاني، وهو القائد "شورماجان" والذي جمع جيشاً هائلاً من التتر وتقدم صوب العالم الإسلامي من جديد..
2ـ شهد هذا العام أيضًا (628 هـ) استمرار حالة الفرقة البشعة التي كانت في الأمة الإسلامية، واهتمام كل زعيم بحدود مملكته وإن صغرت، حتى إن بعض الممالك الإسلامية لم تكن إلا مدينة واحدة وما حولها من القرى، ولم يكتف الزعماء المسلمون بالفرقة بل كانوا يتصارعون فيما بينهم، ويكيد بعضهم لبعض، ولم يكن أحدهم يأمن أخاه مطلقاً.. ولم تكن فكرة الوحدة مطروحة أصلاً.
3ـ حملت هذه السنة - أيضًا - النهاية المأساوية الفاضحة لجلال الدين بن خوارزم شاه!..
فإنه لما جاءت جيوش التتار بقيادة شورماجان اجتاحت البلاد الإسلامية اجتياحاً بشعاً، وقد وصل إلى علمها أن جلال الدين قد ضعف جداً في هذه السنة لحدوث هزيمتين له من الأشرف بن العادل حاكم ديار الجزيرة في شمال العراق وجنوب تركيا، وكانت طائفة الإسماعيلية - وهي من طوائف الشيعة في غرب إقليم فارس - قد راسلت التتار وأخبرتهم بضعف جلال الدين؛ وذلك لأنه كانت بينهم وبين جلال الدين حروب، فأرادوا الانتقام منه بإخبار التتار بوقت ضعفه...
وجاءت جحافل التتار ودمرت في طريقها كل ما يمكن تدميره، وأكلت الأخضر واليابس، وكان لها هدف رئيسي هو الإمساك بجلال الدين بن خوارزم.. والتقى بهم جلال الدين في موقعة انهزم فيها شر هزيمة، وأسرع بالفرار من أمام التتار وقد تمزق جيشه، وإذا به يلقى نفس المصير الذي لقيه أبوه منذ أحد عشر عاماً.. فهو يفر من قطر إلى قطر، ومن مدينة إلى مدينة، والتتار خلفه يقتلون ويسبون وينهبون، حتى وصل جلال الدين إلى أرض الجزيرة بشمال العراق حيث تفرق عنه جنوده أجمعون، وبقى وحيداً شريداً طريداً كما حدث مع أبيه تماماً, وأخذ يتنقل بمفرده بين القرى فراراً من التتار، واختفى ذكره من البلاد شهوراً متصلة؛ فلا يعرف أحد إن كان قُتل أو اختفى أو هرب إلى بلد آخر.. ثم وصل إلى إحدى القرى حيث استقبله فلاح من الأكراد وسأله من أنت؟ وقد تعجب الفلاح من كثرة الجواهر والذهب الذي عليه، فقال له جلال الدين: أنا ملك الخوارزمية..! يقول ذلك ليلقي الرهبة في قلب الفلاح، ولكن- سبحان الله - كان ذلك الإعلان ليقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ فقد كانت جنود الخوارزمية قتلت أخاً لهذا الفلاح!! فلما علم الفلاح بأن هذا هو جلال الدين استقبله وأكرمه وقدم له الطعام، ثم اطمأن له جلال الدين فنام، وهنا قام الفلاح وقتل جلال الدين بالفأس، وأخذ ما عليه من الجواهر وسلمها إلى شهاب الدين غازي صاحب هذه المنطقة، والذي طالما ذاق من ويلات جلال الدين...
هكذا كانت نهاية الظالمين.. ونهاية المفرِّطين.. ونهاية الذين تملكوا رقاب العباد فما رعوا لله حقاً، وما رعوا للرعية حقاً، وما رعوا للرحم حقاً، وعاشوا لأنفسهم فقط، وصدق القائل: "ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط".
روى البخارى ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليملي للظالم.. حتى إذا أخذه لم يفلته .. ثم قرأ: [وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد]
4ـ نتيجة العوامل السابقة، ونتيجة سوء التربية، وغياب الفهم الصحيح للإسلام، والتمسك بالدنيا إلى أقصى درجة، وعدم وضوح الرؤية عند الناس.. فلا يعلمون العدو من الصديق، ونتيجة الحروب التترية السابقة، والتاريخ الأسود في كل مدينة وقرية مر عليها التتار.. نتيجة كل هذه العوامل فقد دبت الهزيمة النفسية الرهيبة في داخل قلوب المسلمين، فما استطاعوا أن يحملوا سيفاً، ولا أن يركبوا خيلاً، بل ذهب عن أذهانهم أصلاً التفكير في المقاومة.. وهذا ولا شك سهّل جداً من مهمة التتار الذين وجدوا أبواباً مفتوحة، ورقاباً جاهزة للقطع!!..
يروي ابن الأثير في الكامل في أحداث السنة الثامنة والعشرين بعد الستمائة بعض الصور التي استمع إليها بإذنه من بعض الذين كُتبت لهم نجاة أثناء حملات التتار على المدن الإسلامية فيقول:
__ كان التتري يدخل القرية بمفرده، وبها الجمع الكثير من الناس فيبدأ بقتلهم واحداً تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد المسلمين أن يرفع يده نحو الفارس بهجوم أو بدفاع!!..
__ أخذ تتري رجلاً من المسلمين، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتري فأحضر سيفاً ثم قتله!!..
__ ويحكي رجل من المسلمين لابن الأثير فيقول: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق، فجاءنا فارس واحد من التتر، وأمرنا أن يقيد بعضنا بعضاً، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟!! فقالوا: نخاف، فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل ذلك، فأخذت سكيناً وقتلته، وهربنا فنجونا، وأمثال هذا كثير!!..
__ دخل التتار بلدة اسمها "بدليس" (في جنوب تركيا الآن) وهي بلدة حصينة جداً ليس لها إلا طريق ضيق جداً بين الجبال.. يقول أحد سكانها: لو كان عندنا خمسمائة فارس ما سلم من جيش التتار واحد؛ لأن الطريق ضيق، والقليل يستطيع أن يهزم الكثير.. ولكن - سبحان الله- هرب أهلها إلى الجبال وتركوا المدينة للتتار فقاموا بحرقها!!..
__ كان كل مسلم قبل أن يقتل يستحلف التتري بالله ألا يقتله.. يقول له: "لا بالله لا تقتلني"، فمن كثرة ما سمعها التتار، أخذوا يتغنون بكلمة "لا بالله".. يقول رجل من المسلمين اختبأ في دار مهجورة ولم يظفر به التتار: إني كنت أرى التتر من نافذة البيت بعد أن يقتلوا الرجال ويسبوا النساء، يركبون على خيولهم وهم يلعبون ويضحكون يغنون قائلين: "لا بالله.. لا بالله"، وهذه - كما يقول ابن كثير -: "طامة عظمى وداهية كبرى فإنا لله وإنا إليه راجعون.."
كان هذا هو وضع المسلمين في ذلك الوقت.. هزيمة نفسية مرة.. واجتياح تتري رهيب..



الاجتياح التتري الثالث
منذ تولى "منكوخان" زعامة دولة التتار وهو يفكر في إسقاط الخلافة العباسية، واجتياح العراق، ثم بعد ذلك اجتياح الشام ومصر.. وكان منكوخان قائداً قوياً حازماً، لكن ساعده بصورة أكبر إخوته الثلاثة الذين كانوا عوناً له في تحقيق أحلامه.. فأحد إخوته وهو "أريق بوقا" ظل معه في "قراقورم" العاصمة؛ ليدير معه الإمبراطورية الواسعة.. وأما الأخ الثاني "قبيلاي" فقد أوكل إليه إدارة الأقاليم الشرقية، والتي تضم الصين وكوريا وما حولها من أقاليم.. وأما الأخ الثالث "هولاكو" فقد أصبح مسئولاً عن إدارة إقليم فارس وما حوله، مما يجعله في مواجهة الخلافة الإسلامية مباشرة.. ولا شك أن الجميع قد سمع عن اسم "هولاكو" قبل ذلك!!..
هولاكو هو الزعيم التتري السفاح.. الذي لا يمتلك أية نزعة إنسانية.. الرجل الذي كان لا يرتوي إلا بدماء البشر.. تماماً كسلفه جنكيزخان، لعنهما الله..
هولاكو.. شخصية من أبشع الشخصيات في تاريخ الأرض!!..
ولأنه كان موكلاً بقيادة إقليم فارس، فإن مجال عمله الرئيسي كان البلاد الإسلامية.. وكانت معظم الدماء التي أراقها دماءً إسلامية.. ومعظم الآلام التي زرعها في قلوب البشر كانت في قلوب المسلمين.. وسبحان الله!.. كأن الحقد الذي كان في قلب هولاكو لم يكن كافياً لتدمير الأرض، فقد تزوج امرأة لا تقل عنه حقداً وبطشاً وظلماً.. لقد تزوج من الأميرة المغولية "طقزخاتون"، وكانت امرأة قوية ذات نفوذ في البلاط المغولي، وكانت فوق ذلك قد انتقلت إلى النصرانية، وكانت شديدة التعصب لديانتها، وشديدة الكراهية للإسلام..
وهكذا اجتمع هولاكو مع زوجته "طقزخاتون" ليصبا جام غضبهما على الأمة الإسلامية.. وكان الهدف واضحاً في ذهن هولاكو.. إنه كان يريد بوضوح أن يُسقط "بغداد" عاصمة الخلافة العباسية، ثم يتجاوزها إلى ما بعدها..
ومنذ تسلم هولاكو قيادة قطاع فارس وهو يعد العدة لإسقاط الخلافة العباسية.. والحق أن إعداده كان مبهراً عظيماً.. بقدر ما كان رد فعل المسلمين لهذا الإعداد تافهاً حقيراً.. وإذا كان الوضع كذلك فلابد أن ينتصر هولاكو على مناوئيه وإن كانوا مسلمين؛ ذلك لأن لله عز وجل سننًا لا تتبدل ولا تتغير، والذي يأخذ بأسباب النصر من أهل الدنيا يعطيه الله عز وجل وإن كان كافراً، والذي لا يُعد نفسه ليوم اللقاء لابد أن ينهزم وإن كان مسلماً..
[من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها، وهم فيها لا يبخسون]..
وهكذا أراد هولاكو حياته الدنيا، وأعد لها إعداداً جيداً، فأخذ نصيبه من الدنيا ولم يُبخس منه شيئاً..


سقوط بغداد
اجتمع هولاكو مع كبار مستشاريه في مجلس حرب يعد من أهم مجالس الحرب في تاريخ التتار، لقد أخذ القرار بغزو العاصمة "بغداد"، وكان هولاكو قلقاً من أي مفاجئات، وبالذات من الأمراء المسلمين الذين انضموا إلى جيشه، ولذلك وضع على الفرق الإسلامية التي معه مراقبة شديدة، ولكن مخاوفه لم تمنعه من التقدم، كما أنها لم تكن حقيقية؛ لأن الأمراء المسلمين الذين انضموا إليه لم يكن في نيتهم أبداً الغدر "بهولاكو"، إنما كان العزم - كل العزم - أن يغدروا "ببغداد"!!!!..

كان مجلس الحرب معقوداً في مدينة "همدان" الفارسية (في إيران حالياً) وهي تقع على مسافة حوالي450 كيلو مترًا من بغداد إلى الشمال الشرقي.. وقرر هولاكو في هذا المجلس أن يقسم جيشه إلى ثلاثة أقسام:

ـ الجيش الأول: هو القلب، وهو القسم الرئيسي من الجيش، وسيقوده هولاكو بنفسه، وستلحق به الإمدادات التي سيرسلها "باتو" زعيم القبيلة الذهبية التترية، وكذلك ستلحق به الفرق المساعدة من مملكتي أرمينيا والكرج، وهذا القسم من الجيش سيخترق الجبال الواقعة في غرب فارس صوب بغداد مباشرة مروراً بمدينة كرمان شاه، وستكون مهمة هذا الجيش حصار بغداد من الجهة الشرقية..

ـ الجيش الثاني: هو الجناح الأيسر لجيش التتار، وهذا سيقوده "كتبغا" أفضل قواد هولاكو، وسيتحرك هذا الجيش بمفرده في اتجاه بغداد أيضاً، ولكن إلى الجنوب من الجيش الأول، وقد تم فصل الجيشين حتى لا تستطيع المخابرات الإسلامية ـ إن وجدت ـ أن تقدر العدد الصحيح للجيش التتري، بالإضافة إلى أن الطرق لا تستوعب هذه الأعداد الهائلة من الجنود، فضلاً على أن هذا الجيش ستكون له مهمة اختراق سهول العراق، والتوجه إلى بغداد من جهة الجنوب، وحصارها من جهتها الجنوبية الشرقية..

ومع أن المسافة تبلغ 450 كيلومترًا إلا أن هولاكو كان من الحذر الكافي بحيث استطاع أن يخفي هذا الجيش عن عيون العباسيين ـ إن كانت هناك عيون ـ فلم يكتشف العباسيون الجيش إلا وهو على بعد كيلومترات معدودة من بغداد!!..

ـ أما الجيش الثالث: فكان هو الجيش التتري الرابض على أطراف الأناضول (في شمال تركيا الآن) والذي كان مكلفاً بفتح أوروبا قبل ذلك، وعلى رأس هذا الجيش الزعيم التتري الكبير "بيجو"، وكان على هذا الجيش أن يأتي من هذه المناطق الشمالية في اتجاه الجنوب حتى يصل بغداد من شمالها، ثم يلتف حولها ليحاصرها من جهة الغرب، وبذلك تحصر بغداد بين هولاكو شرقاً وكتبغا من الجنوب الشرقي وبيجو من الغرب..

لكن هناك مشكلتين كبيرتين أمام هذا الجيش الثالث:

أما المشكلة الأولى: فإن عليه أن يضبط توقيته حتى يأتي بغداد في نفس الوقت الذي يأتي فيه جيش هولاكو، وإلا وجد نفسه وحيداً أمام العباسيين إن جاء مبكراً، أو ترك هولاكو وحيداً إن كان متأخراً.. فإذا أخذنا في الاعتبار أن هذه التحركات تدور في زمان ليست فيه وسائل انتقال معلومة السرعة بدقة.. وليست فيه وسائل الاتصال إلا عن طريق الخيول، وليست هناك طرق ممهدة علمنا صعوبة هذه النقطة.. ومع ذلك فقد وصل بيجو في التوقيت المناسب إلى بغداد، دلالة على دقة حساباته، ومهارته في التحرك بهذا الجيش الكبير..

المشكلة الثانية: من المفروض أنها أكبر بكثير من المشكلة الأولى.. وهي أن هذا الجيش الثالث - لكي يصل إلى بغداد - عليه أن يخترق مسافة خمسمائة كيلومتر في الأراضي التركية، ثم خمسمائة كيلومتر أخرى في الأراضي العراقية.. وهذه كلها أراضٍ إسلامية..!! أي أنه يجب أن يسير مسافة ألف كيلومتر في أعماق العالم الإسلامي حتى يصل إلى بغداد.. وتذكر أننا نتحدث عن زمن ليس فيه طائرات.. أي أنه ليس هناك غطاء جوي يكفل له الحركة في أمان، أو يضمن له تدمير ما يقابله من معوقات.. لقد كانت أقل المخاطر التي تواجه هذا الجيش أن يُكتشف أمره، فيفقد - على الأقل- عنصر المباغتة، ويستعد له الجيش العباسي قبل وصوله، أما المخاطر الأكبر التي كانت في انتظاره فهي أن يجد مقاومة شرسة في طريقه المليء بالتجمعات السكنية الهائلة.. وكلها تجمعات إسلامية، أو أن تُنصب له الكمائن، وتوضع له الشراك.. وتذكر أنه يخوض في أرض يدخلها للمرة الأولى في حياته، لكن ـ سبحان الله! ـ كل هذا لم يحدث.. لقد قطع "بيجو" بجيشه 95% من الطريق (أي حوالي950 كيلومترًا) دون أن تدري الخلافة العباسية عنه شيئاً..!! لقد باغت "بيجو" الخلافة العباسية على بعد خمسين كيلومترًا فقط شمال غرب بغداد!! لقد اكتشف العباسيون جيش "بيجو" تماماً كما اكتشفوا جيش هولاكو، عندما كان كلا الجيشين على مسيرة يوم واحد من بغداد!!..

وإن كنا نقول: إن جيش هولاكو كان يتخفى بالجبال، ويسير في أراضٍ غالبها تحت سيطرة التتار، فكيف نفسر مباغتة بيجو لبغداد بهذه الصورة؟!!

إن تبرير اختراق "بيجو" للأراضي الإسلامية يحمل معه مصيبتين عظيمتين:

أما المصيبة الأولى: فهي غياب المخابرات الإسلامية عن الساحة تماماً، وواضح أن الجيش العباسي كان لا علم له ولا دراية بإدارة الحروب أو فنونها..

أما المصيبة الثانية والأعظم: فهي أن هناك خيانة كبرى من أمراء الأناضول والموصل المسلمين... هذه الخيانة فتحت الأبواب لجيش التتار، ولم يحدث أي نوع من المقاومة، وسار الجيش التتري في هدوء وكأنه في نزهة، وبالطبع لم يرتكب في طريقه مذابح لكي لا يلفت أنظار الخلافة في بغداد، ورضي الناس منه بتجنب شره، وخافوا أن يدلوا عليه لكي لا ينتقم منهم بعد ذلك..

خيانة عظمى من كيكاوس الثاني وقلج أرسلان الرابع أمراء الأناضول..

وخيانة أعظم من بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل..

فبدر الدين لؤلؤ لم يكتف بتسهيل مهمة التتار، وبالسماح لهم باستخدام أراضيه للانتقال والعبور، بل أرسل مع التتار فرقة مساعدة تعينهم على عملية "تحرير العراق" من حكم الخلافة العباسية!!..

ومن الجدير بالذكر أن بدر الدين لؤلؤ قام بهذه الخيانة وهو يبلغ من العمر ثمانين عاماً! وقيل: مائة..!!! وجدير بالذكر أيضاً أنه مات بعد هذه الخيانة بشهور معدودات!!!..

ونسأل الله حسن الخاتمة..

كانت هذه هي تحركات الجيش التتري..




اجتياح الشام
انتهت قصة بغداد، وخرج التتار منها بعد أربعين يوماً من القتل والتدمير، وبدأ الجميع: التتار والمسلمون والنصارى يرتبون أوراقهم من جديد على ضوء النتائج التي تمت في بغداد..

أما هولاكو فقد انسحب من بغداد إلى همذان بفارس، ثم توجه إلى قلعة "شها" على شاطئ بحيرة "أورمية"، (في الشمال الغربي لإيران الآن)، وفي هذه القلعة وضع الكنوز الهائلة التي نهبها من قصور العباسيين، ومن بيت مال المسلمين, ومن بيوت التجار وأصحاب رءوس الأموال...

وبالطبع ترك هولاكو حامية تترية حول بغداد، وبدأ يفكر بجدية في الخطوة التالية.. والخطوة التالية بعد العراق- لا شك- أنها ستكون سوريا (الشام..) فبدأ هولاكو في دراسة الموقف في هذه المنطقة..

وبينما هو يقوم بهذه الدراسة، ويحدد نقاط الضعف والقوة في هذه المناطق الإسلامية، بدأ بعض الأمراء المسلمين يؤكدون على ولائهم للتتار.. وبدأت الوفود الإسلامية الرسمية تتوالى على زعيم التتار تطلب عقد الأحلاف والمعاهدات مع "الصديق" الجديد، رجل الحرب والسلام: هولاكو!!..

ومع أن دماء المليون مسلم الذين قتلوا في بغداد لم تجف بعد، إلا أن هؤلاء الأمراء لم يجدوا أي غضاضة في أن يتحالفوا مع هولاكو؛ فالفجوة - كما يقولون - هائلة بينهم وبين هولاكو، والأفضل - في اعتباراتهم- أن يفوزوا بأي شيء أفضل من لا شيء، أو على الأقل يحيدون جانبه، ويأمنون شره..

[وإن منكم لمن ليبطئن، فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً]

لا شك أن هؤلاء الأمراء كانوا سعداء جداً بأنهم لم يشتركوا مع العباسيين في الدفاع عن بغداد، ولا شك أنهم كانوا يظهرون أمام شعوبهم بمظهر الحكماء الذين جنبوا شعوبهم ويلات الحروب.. ولا شك أن خطبهم كانت قوية ونارية وحماسية!!..

[وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة]

ولا شك أنه كان هناك أيضاً من العلماء الوصوليين من يؤيدون خطواتهم، ويباركون تحركاتهم، ويحضون شعوبهم على اتباعهم، والرضى بأفعالهم..

ولا شك أن هؤلاء العلماء كانوا يضربون لهم الأمثال من السنة النبوية المطهرة.. فيقولون لهم مثلاً: لقد عاهد الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين في صلح الحديبية، فلماذا لا نعاهد نحن التتار الآن؟!! ولقد عاهد الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود في المدينة المنورة، فلماذا لا نعاهد نحن التتار في بغداد؟!!.. وهكذا!!..

ثم إن التتار يريدون "السلام" معنا.. والله عز وجل يقول في كتابه:

[وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم]

والتتار جنحوا للسلم معنا!..

أتريدون مخالفة شرعية؟!

أتريدون سفك الدماء؟!

أتريدون تخريب الديار؟!

أتريدون تدمير الاقتصاد؟!

إن الحكمة- كل الحكمة ـ ما فعله أميرنا بالتصالح والتعاهد والتحالف مع التتار..

لنبدأ صفحة جديدة من الحب لكل البشرية!!

سبحان الله!!..

[يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون]

جاء هؤلاء الأمراء وقلوبهم تدق، وأنفاسهم تتسارع..

هل سيقبل سيدهم هولاكو أن يتحالف معهم؟!

وجاء الزعماء الأشاوس يجددون العهد مع "الصديق" هولاكو..

ـ الأمير بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل..

ـ الأمير كيكاوس الثاني والأمير قلج أرسلان الرابع من منطقة الأناضول (وسط وغرب تركيا)..

ـ الأمير الأشرف الأيوبي أمير حمص..

ـ الأمير الناصر يوسف (حفيد صلاح الدين الأيوبي) أمير حلب ودمشق..

وهؤلاء الأمراء يمثلون معظم شمال العراق وأرض الشام وتركيا.. إذن لقد حلت المشاكل أمام هولاكو.. لقد فتحت بلاد المسلمين أبوابها له دون أن يتكلف قتالاً..

لكن ظهرت مشكلتان أمام هولاكو:

أما المشكلة الأولى: فكانت في أحد الأمراء الأيوبيين الذي رفض أن يرضخ له، ورفض أن يعقد معاهدات سلام مع التتار، وقرر أن يجاهد التتار إلى النهاية، بالطبع اعتبره هولاكو رجلاً "إرهابياً" يريد زعزعة الاستقرار في المنطقة، ولا شك أن هولاكو قال: إنه يعلم أن هذا الرجل لا يمثل دين الإسلام؛ لأن الإسلام دين السماحة والرحمة والحب والسلام!!..

هذا الأمير المسلم الذي ظل محتفظاً بمروءته وكرامته ودينه هو الأمير "الكامل محمد الأيوبي" - رحمه الله - أمير منطقة "ميافارقين"..

و"ميافارقين" مدينة تقع الآن في شرق تركيا إلى الغرب من بحيرة "وان".. وكانت جيوش الكامل محمد - رحمه الله - تسيطر على شرق تركيا، بالإضافة إلى منطقة الجزيرة، وهي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات من جهة الشمال، أي أنه يسيطر على الشمال الغربي من العراق، وعلى الشمال الشرقي من سوريا..

فإذا وضعنا في حساباتنا أن هولاكو يريد أن يحتل سوريا، فإنه ليس أمامه إلا أن يجتاز منطقة الجزيرة الواقعة تحت سيطرة الكامل محمد رحمه الله، وعلى ذلك فرغم خنوع وخضوع معظم أمراء المنطقة، إلا أن إخضاع إمارة ميافارقين بالقوة أصبح لازماً..

كانت هذه هي المشكلة الأولى التي واجهت هولاكو، وقد كانت هذه مشكلة حقيقية فعلاً، خاصةً أن مدينة ميافارقين مدينة حصينة، وتقع بين سلسلة جبال البحر الأسود.. كما أن الشعوب المسلمة قد تتعاطف مع "المتمرد" الكامل الأيوبي..

أما المشكلة الثانية: فهي مشكلة تافهة نسبياً، وهي أن أولئك الأمراء المسلمين الذي رغبوا في التحالف مع هولاكو كانوا يبتغون البقاء في أماكنهم، يحكمون بلادهم حكماً ذاتياً، ولو تحت المظلة التترية، بينما كان هولاكو يرغب في السيطرة الكاملة على البلاد بطبيعة الحال، يعين من يشاء، ويعزل من يشاء، فهولاكو لا يرى أحداً من سادة العالم إلى جواره، فما بالكم بهؤلاء الأمراء الأقزام؟!

لكن هولاكو بما عرف عنه من ذكاء كان يحسن ترتيب الأولويات، فأدرك أنه من المهم أن يقضي أولاً على حركة الكامل محمد الأيوبي - رحمه الله - ثم يستكمل طريقه بعد ذلك إلى الشام، وهناك إذا اعترض واحد من هؤلاء الأقزام على ما يريده هولاكو، فإن التعامل معه سيكون يسيراً.. بل في منتهى اليسر..

ماذا فعل هولاكو للخروج من هذا المأزق؟




نشأة المماليك
تعتبر فترة حكم المماليك من الفترات التاريخية المجهولة عند كثير من المسلمين، بل عند كثير من مثقفي المسلمين، وذلك قد يكون راجعاً لعدة عوامل.. ولعل من أهم هذه العوامل أن الأمة الإسلامية في ذلك الوقت كانت قد تفرقت تفرقاً كبيراً، حتى كثرت جداً الإمارات والدويلات، وصغر حجمها إلى الدرجة التي كانت فيها بعض الإمارات لا تتعدى مدينة واحدة فقط!!.. وبالتالي فدراسة هذه الفترة تحتاج إلى مجهود ضخم لمتابعة الأحوال في العديد من الأقطار الإسلامية.

ومن العوامل التي أدت إلى جهل المسلمين بهذه الفترة أيضاً: كثرة الولاة والسلاطين في دولة المماليك ذاتها، ويكفي أن نشير إلى أن دولة المماليك الأولى ـ والمعروفة باسم دولة المماليك البحرية (وسنأتي إلى تعريف ذلك الاسم لاحقاً إن شاء الله) ـ حكمت حوالي 144 سنة، وفي خلال هذه الفترة حكم 29 سلطانًا!.. وذلك يعني أن متوسط حكم السلطان لم يكن يتعدى خمس سنوات.. وإن كان بعضهم قد حكم فترات طويلة، فإن الكثير منهم قد حكم عاماً أو عامين فقط!.. أضف إلى ذلك كثرة الانقلابات والاضطرابات العسكرية في فترة حكم المماليك، فقد قتل من الـسلاطين التسعة والعشرون عشرة، وخُلع اثنا عشر!!.. وهكذا كانت القوة والسلاح هي وسيلة التغيير الرئيسية للسلاطين، وسارت البلاد على القاعدة التي وضعها أحد سلاطين الدولة الأيوبية (قبل المماليك) وهو السلطان "العادل الأيوبي"، والتي تقول: "الحكم لمن غلب"!!..

ولعل من أهم أسباب عدم معرفة كثيرين بدولة المماليك هو تزوير التاريخ الإسلامي، والذي تولى كبره المستشرقون وأتباعهم من المسلمين المفتونين بهم, والذين شوهوا تاريخ المماليك لإنجازاتهم المشرقة والهامة؛ والتي كان منها: وقوفهم سداً منيعاً لصد قوتين عاتيتين من قوى الشر التي حاولت هدم صرح الإسلام، وهما التتار والصليبيون، وكان للمماليك جهاد مستمر ضد هاتين القوتين، وعلى مراحل مختلفة، وظلت دولة المماليك تحمل راية الإسلام في الأرض قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تسلمت الخلافة العثمانية القوية راية المسلمين..

وأنا لست في هذا الكتاب بصدد الشرح والتفصيل لأخبار دولة المماليك، فإن هذا يطول البحث فيه، ولكني سأفرد إن شاء الله كتابين كاملين سأشرح فيهما بالتفصيل نشأة المماليك، وقصة دولتهم وجهادهم..

أما الكتاب الأول فسيكون عن الحروب الصليبية، وسأتحدث فيه إن شاء الله عن تاريخ الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، ودور آل زنكي، ثم الدولة الأيوبية، ثم نشأة المماليك، ودورهم في صد هذه الحملات الصليبية..

وأما الكتاب الثاني فسيكون عن دولة المماليك ذاتها من البداية إلى النهاية..

لكني في هذا الفصل سأحاول أن أمر باختصار شديد على الأحداث التي أدت إلى ظهور دولة المماليك، والتي كانت تحكم مصر في الوقت الذي وصل فيه التتار إلى الشام، وذلك خلال اجتياحهم للعالم الإسلامي..




الإعداد لعين جالوت

مصر وما حولها.. قبل المعركة:
كان الوضع في مصر عندما بدأ التتار في اجتياح الشام والاقتراب من الديار المصرية متأزماً جداً.. فالمسرح السياسي الداخلي كان يموج بالاضطرابات العاصفة، والأزمات الشديدة.. وكانت الفتن الناتجة عن التصارع على كرسي الحكم – وخاصة في السنوات العشر الأخيرة - عنيفة ومتكررة.. نعم استقرت الأوضاع نسبياً عندما تولى الملك المعز عز الدين أيبك، وذلك لفترة سبع سنوات متصلة، ولكنها عادت من جديد للاشتعال بمقتل الملك المعز ثم شجرة الدر، ثم ولاية الطفل نور الدين علي، ثم خلعه بواسطة قطز رحمه الله.. وإن كان قطز الآن قد استقر على كرسي الحكم لكن لا شك أن هناك الكثير من الطامعين في الكرسي، ولا شك أيضاً أن هناك الكثير من الحاقدين على قطز شخصياً، ومن المؤكد أن هؤلاء وهؤلاء سوف يتحركون ـ أو يحاولون التحرك ـ لإقصاء قطز عن العرش، أو قتله إذا لزم الأمر... كما اعتاد كثير من المماليك أن يفعلوا..

ولا ننسى أن الفتنة ما زالت دائرة بين المماليك البحرية الصالحية الذين كانوا يؤيدون شجرة الدرّ والمماليك المعزية الذين يؤيدون الآن سيف الدين قطز، وقد فرّ كثير من المماليك البحرية إلى مختلف الإمارات الإسلامية في الشام، ومن بقي منهم في مصر بقي على وجل وترقب.. وهذا الانقسام - بلاشك - أضعف القوة العسكرية المصرية؛ لأن المماليك البحرية كانوا أساس الجيش المصري في ذلك الوقت.

وإذا كان الوضع السياسي والعسكري داخل البلاد على هذه الصورة الخطيرة فإن المسرح السياسي الخارجي كان يحمل مشكلات أخرى كبيرة.. ذلك أن العلاقات كانت ممزقة تماماً بين مصر وبين كل جيرانها بلا استثناء.. فالعلاقات الدبلوماسية مع كل إمارات الشام كانت مقطوعة تماماً، بل كانت روح العداء الشديد هي السائدة بين الطرفين، كما لم يكن لمصر أي سند من دول الشمال الأفريقي أو السودان.. ومعنى هذا أن هذه العزلة المقيتة ستسهّل جداً على الوحش التتري مهمة ابتلاع مصر كما فعل بأشياعها من قبل..

ولم يكن الوضع الاقتصادي في مصر بأحسن حالاً من الوضع السياسي أو الاجتماعي؛ فهناك أزمة اقتصادية طاحنة تمر بالبلاد من جراء الحملات الصليبية المتكررة، ومن جراء الحروب التي دارت بين مصر وجيرانها من الشام، ومن جراء الفتن والصراعات على المستوى الداخلي.. كما أن الناس انشغلوا بأنفسهم وبالفتن الداخلية والخارجية فتردّى الاقتصاد إلى أبعد درجات التردي، وباتت البلاد على حافة هاوية سحيقة شبه مؤكدة..

كل هذا وأعداء الأمة قد اجتمعوا عليها، وبضراوة شديدة، فهناك الغرب الصليبي الحاقد جداً والذي مُني بهزائم قاسية مخزية في مصر منذ عشر سنوات تقريباً في المنصورة وفارسكور، ولاشك أن الصليبيين يريدون الثأر والانتقام، وقد يجدون أن الاضطرابات الأخيرة في مصر فرصة سانحة لرد الاعتبار، ولتحقيق أحلام الغزو..

وهناك الإمارات الصليبية المزروعة في فلسطين منذ عشرات السنين.. وفوق كل ذلك هناك الهم الكبير القادم من الشرق.. وهو التتار.





موقعة عين جالوت
جاء جيش كتبغا وقد امتلأ بالصلف والغرور والكبر تسبقه سمعته العالية في سفك الدماء وتخريب الديار وإفناء البشر.. وقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً.. ومر الجيش غرب بيسان، وانحدر جنوباً في اتجاه عين جالوت حيث كانت القوات الإسلامية قد أخذت مواقعها ورتبت صفوفها ووقفت في ثبات تنتظر الجيش التتري..

وبينما قطز في سهل عين جالوت إذا بأعداد غفيرة من المتطوعين المسلمين من أهل فلسطين يخرجون من القرى والمدن ليلتحقوا بالجيش المسلم، وقد تيقنوا أن حرباً حقيقية ستحدث قريبًا..

سبحان الله!!..

لابد أن نتساءل..

أين كان هؤلاء المتطوعون يوم جاءت فرقة تترية بسيطة فاخترقت فلسطين من شمالها إلى جنوبها حتى احتلت مدينة من أواخر المدن في فلسطين: مدينة غزة؟!..

كيف تحرك هؤلاء الآن إلى سهل عين جالوت؟

لماذا قعدوا قبل ذلك؟ ولماذا قاموا الآن؟!!

الإجابة في منتهى البساطة..

إنها القدوة..

"التربية بالقدوة"..

هذه كلمة ذكرناها كثيراً منذ أن تكلمنا عن قطز رحمه الله وعن جيشه الصادق..

هناك الكثير من المؤمنين الصادقين الذين يريدون خدمة الدين ورفعة الإسلام، لكنهم لا يجدون قدوة صالحة يقلدونها، أو قائداً مخلصاً يتبعونه.. لقد ألف هؤلاء البسطاء في فلسطين أن يروا قوادهم في الشام يعقدون الأحلاف المهينة مع التتار، ويفتحون لهم الحصون والديار، ويمدون لهم الجسور، ويمهدون لهم الطريق..

لقد افتقد هؤلاء المسلمون البسطاء القدوة الصالحة.. فلم يظهر الخير الكثير الذي بداخلهم، فلما جاء قطز رحمه الله ومن معه من المؤمنين الصادقين، وقطعوا هذا الطريق كله إلى أرض الموقعة، وهم يتقدمون في ثبات، ولم يفعلوا مثلما فعل الناصر يوسف الأيوبي عندما فر بمجرد سماعه أن جيش التتار قد اقترب... لما رأوا كل ذلك تحمست قلوبهم، وخرجت العواطف الكامنة في صدورهم، وتحركت فيهم الحمية لهذا الدين، فهانت عليهم التضحية، وهان عليهم الجهاد..

نعم هؤلاء ليسوا كالجيش النظامي في قدراته ومهاراته، لكنهم متحمسون ومتشوقون إلى العمل في سبيل الله.. وهذه الحماسة تنفع كثيراً في ميادين القتال.. كما أن قطز رحمه الله استخدمهم في سلاح الخدمات الخاص بالقوات الإسلامية، ووفر طاقة الجنود الذين كانوا يقومون بهذه الأعمال، واستخدم هؤلاء الجنود في العمليات القتالية بعد أن قام المتطوعون بدورهم..

وسلاح الخدمات يشمل نقل العتاد والمعدات، والاهتمام بشئون الطعام والشراب، وإمداد الجنود بالسهام والرماح، ورعاية الخيول، ونقل الجرحى ومداواتهم.. وهذه أعمال كثيرة تستنفد جهداً ووقتاً، وهي ـ وإن كان لا يشترط فيها كفاءة قتالية، ولا مهارة عسكرية - إلا أن لها أهمية قصوى في نجاح المعركة.. وهكذا استفاد قطز رحمه الله من كل طاقات المتطوعين الفلسطينيين.. وكل ميسر لما خلق له..

ثم إنه بالإضافة إلى هذه الأعمال فإن الجيش المسلم سيظهر في عيون الجيش الكافر أضعافاً مضاعفة، ولا شك أن هذا سيبث الرعب في قلوب الكافرين.. فتكثير سواد المسلمين أمر لا يُستهان به أبداً..

وإلى جانب أولئك المتطوعين اجتمع الكثير من الفلاحين من القرى المختلفة ممن لا يستطيع قتالاً ولا خدمة، إما لكبر سن أو لعجز أو لمرض، واجتمع كذلك النساء والصبيان، واصطفوا بأعداد كبيرة على طرفي سهل عين جالوت، وقد علت أصواتهم بالتكبير والدعاء، وارتفعت صيحاتهم التشجيعية للقوات الإسلامية، وتحركت ألسنتهم وأيديهم وقلوبهم بالدعاء لرب العالمين أن ينصر الإسلام وأهله، ويُذل الشرك وأهله..

كل هذه الأحداث في يوم 24 رمضان من سنة 658 هجرية، وهو اليوم السابق مباشرة للموقعة الرهيبة: عين جالوت..







rwm hgjjhv - lh Hafi hgd,l fhgfhvpi

  #2  
قديم 18-09-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Apr 2008
الجنـــــــــــس : female
مكان الإقـامـة :
المشاركـــــات :  25,252
افتراضي




بــارك الله فيك يـا أخى الكريم






  #3  
قديم 18-09-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Mar 2009
الجنـــــــــــس : male
مكان الإقـامـة : اسكندرية
المشاركـــــات :  2,994
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Nice CaT مشاهدة المشاركة


بــارك الله فيك يـا أخى الكريم





جزاكى الله خيرا
  #4  
قديم 19-09-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Oct 2008
الجنـــــــــــس : female
مكان الإقـامـة : ¨°o.O IRAQO.o°¨
المشاركـــــات :  22,650
افتراضي

شكرأ أخوايه بارك الله بيكـ
  #5  
قديم 19-09-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Mar 2009
الجنـــــــــــس : male
مكان الإقـامـة : اسكندرية
المشاركـــــات :  2,994
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Banota.Shakai مشاهدة المشاركة
شكرأ أخوايه بارك الله بيكـ

جزاكى الله خيرا
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لسبه, التتار, اليوم, بالبارحه

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كل بنت تريد الرشاقة (ملف كامل عن الرجيم) بطرق متعقدتش صدقينى لن تندمى │мя~Μέdό│ انقاص الوزن - تخسيس البطن 8 06-12-2013 10:26 PM
برجك اليوم 3-9-2012 لوليتا أختبر نفسك 3 04-09-2012 12:06 AM
برجك اليوم 2-9-2012 لوليتا أختبر نفسك 1 02-09-2012 10:38 PM
برجك اليوم 1-9-2012 لوليتا أختبر نفسك 0 01-09-2012 04:23 PM
برجك اليوم 29-8-2012 لوليتا أختبر نفسك 2 29-08-2012 04:26 PM


الساعة الآن 01:41 PM.


vBulletin® v3.8.8 Alpha 1, Copyright ©2000-2019
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات كذا ميزا
تحميل العاب كاملة 2013 تحميل برامج كاملة 2013 تحميل نسخة ويندوز تحميل خطوط جديدة 2013 العاب موبايل جديدة 2013
تحميل العاب 2013 وداعا لقطع النت بوستات حب كلام عتاب اكواد كول تون موبينيل 2013
تردد قناة الناس رسايل صور فلانتين تحميل لعبة gta san andreas اتارى زمان
نكت على البنات الحمل في المنام تحميل لعبة سبايدر مان كلام رومانسى حزين تحميل فايرفوكس 2013
مصراوي جيكس نكت قبيحة تحميل لعبة ميدل تحميل لعبة سبايدر مان 2 نسخ ويندوز 2013

Content Relevant URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110