المجلة المنتدى التحكم التسجيل اتصل بنا

التاريخ الاسلامى يختص هذا المنتدي بسرد التاريخ الاسلامي من فتوحات وانتصارات وقصص للصحابه رضوان الله عليهم اجمعين

إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 09-07-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Oct 2008
الجنـــــــــــس : female
مكان الإقـامـة : ¨°o.O IRAQO.o°¨
المشاركـــــات :  22,650
افتراضي آمهات المؤمنين

آمهات المؤمنين

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها..
68 ق. هـ 3 ق. هـ/ 554 – 619 م


هي خديجة بنت خويلد بن أسدِ بن عبد العزَّى بن قُصَيٍّ، يلتقي نسبها بنسب النبي في الجدِّ الخامس، وأُمُّها فاطمة بنت زائدة بنت جندب، وقيل: إن أباها ماتقبل حرب الفِجار، وهي حرب قامت بين قريش ومن معها من كنانة من جهة، وبين قيس عيلان من جهة أخرى
وُلِدَتْ بمكة قبل عام الفيل بخمسة عشر عامًا (68 قبل الهجرة) في بيت مجد وسؤدد، هو من أعرق بيوت قريشٍ نسبًا، وحسبًا، وشرفًا، ونشأت على التخلُّق بالأخلاق الحميدة، وعُرفت بالسيرة الكريمة، وكان من صفاتها الحزم والعقل والعفَّة، وكانت تُدعى في الجاهلية :الطاهرة

وكانت قبل رسول الله عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمرو، وقد ولدتْ له هند بن عتيق، ثم خلف عليها أبو هالة مالك بن نباش، فولدتْ له هند وهالة

وإذا كان قد قُدِّر لخديجة رضي الله عنها أن تتزوَّج مرَّتين قبل أن تتشرَّف بزواجها من رسول الله، فإنها لم تطلَّق مرَّتين، بل مات عنها زوجاها، وبعد موت زوجها الثاني تفرَّغت السيدة خديجة رضي الله عنها لتربية أولادها وتجارتها

فقد كانت رضي الله عنها ذات شرف ومال وتجارة رابحة، فكانت تستأجر الرجال لتجارتها وتبعثهم بها إلى الشام، ومرَّت الأيام ووصل إلى مسامعها ذِكْرُ "محمد بن عبد الله" كريم الأخلاق، الصادق الأمين، وكان قلَّ أن تسمع في الجاهلية بمثل هذه الصفات، فأرسلت إليه وعرضتْ عليه الخروج في مالها تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التُّجَّار

وحينها قَبِلَ ذلك منها ، وخرج في مالها ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام، وهناك نزل رسول الله في ظلِّ شجرة قريبًا من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة وقال: مَنْ هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال ميسرة: هذا الرجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطُّ إلاَّ نبيٌّ، ثم باع رسول الله سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد، ولمَّا قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به، فربح المال ضعف ما كان يربح أو أكثر

وقد أخبرها ميسرة عن كرم أخلاقه وصفاته المتميِّزة التي وجدها فيه أثناء الرحلة، فرغبت في الزواج منه.
وتحكي السيدة نفيسة بنت مُنْيَة قصَّة هذا الزواج فتقول: "كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصَيٍّ امرأة حازمة، جلدة، شريفة، أوسط قريش نسبًا، وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصًا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسًا إلى محمد بعد أن رجع من الشام فقلتُ: يا محمد، ما يمنعك أن تزوَّج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوَّج به.
قلتُ: فإن كُفِيتَ ذلك، ودُعِيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألاَ تجيب؟
قال: فمن هي؟ قلتُ: خديجة. قال: وكيف بذلك؟ قلتُ: عليَّ.
قال: وأنا أفعل

فذهبتُ فأخبرتها، فأرسلتْ إليه أن ائتِ لساعة كذا وكذا، وأرسلتْ إلى عمِّها عمرو بن أسد ليُزَوِّجها - وقيل: إن الذي أنكحه إيَّاها أبوها خويلد - فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه و سلم في عمومته، فتزوَّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة وكان زواج رسول الله منها قبل الوحي، وقد عاشت معه خمسًا وعشرين سنة، بدأ معها في الخامسة والعشرين من عمره وكانت هي في الأربعين، وظلاَّ معًا إلى أن توفَّاها الله وهي في الخامسة والستِّين، وكان عمره في الخمسين، وهي أطول فترة أمضاها النبي مع هذه الزوجة الطاهرة من بين زوجاته جميعًا، فقد كانت أقرب الزوجات إليه، فلم يتزوَّج عليها غيرها طيلة حياتها، وكانت أمَّ ولده الذكور والإناث إلاَّ إبراهيم فإنه من مارية القبطية، فكان له منها صلى الله عليه و سلم : القاسم وبه كان يُكنَّى، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة

هذا، وقد ألقى الله في قلب خديجة رضي الله عنها صفاء الرُّوح ونور الإيمان والاستعداد لتقبُّل الحقِّ، وتجسَّد ذلك حين نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه و سلم في غار حراء بقوله: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، حيث رجع ترجف بوادره وضلوعه، حتى دخل على خديجة فقال: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي". فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع


وهنا قال لخديجة: "أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي؟! لَقْدِ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي". وأخبرها الخبر، فردَّت عليه خديجة بما يُطَيِّب من خاطره ويُهدِّئ من رَوعه، فقالت: "كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ
ثم انطلقت به رضي الله عنها حتى أتت به ابن عمِّها ورقة بن نوفل، وكان امرأ تنصَّر في الجاهليَّة، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ.
فقالت خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك

قال ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي خبر ما رأى.
فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنْزِل على موسى، ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك.
قال رسول الله: "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ

قال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل بما جئتَ به إلاَّ أُوذي، وإن يدركني يومك حيًّا أنصرك نصرًا مؤزَّرًا
ثم أرادتْ رضي الله عنها أن تتيقَّن وتتثبَّت مما جاء به رسول اللهr؛ فروى ابن إسحاق أنها قالت لرسول الله يابن عمِّ، هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: "نَعَمْ". فبينا رسول الله صلى الله عليه و سلم عندها إذ جاءه جبريل، فقال رسول الله : "هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي". فقالت: أتراه الآن؟ قال: "نَعَمْ". قالت: اجلس على شقِّي الأيسر. فجلس، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: "نَعَمْ". قالت: فاجلس على شقي الأيمن. فجلس، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: "نَعَمْ". قالت: فتحوَّل فاجلس في حجري. فتحوَّل رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس، فقالت: هل تراه؟ قال: َنعَمْ قال: فتحسرتْ وألقتْ خمارها، فقالت: هل تراه؟ قال: "لا". قالت: ما هذا شيطان، إن هذا لملَكَ يابن عمِّ، اثبتْ وأبشر. ثم آمنتْ به وشهدتْ أن الذي جاء به الحقُّ

قال ابن إسحاق: وكانت خديجة أوَّل مَن آمن بالله ورسوله وصدَّق بما جاء به، فخفَّف الله بذلك عن رسول الله، لا يسمع شيئًا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له فيحزنه إلاَّ فرَّج اللهُ عنه بها، إذا رجع إليها تثبِّته، وتخفِّف عنه، وتصدِّقه، وتهوِّن عليه أمر الناس رضي الله عنها

وعن أول إسلامها يحكي يحيى بن عفيف عن عفيف فيقول: جئت في الجاهلية إلى مكة، فنزلتُ على العباس بن عبد المطلب، فلمَّا ارتفعت الشمس وحلَّقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شابٌّ، فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل القبلة فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشابُّ فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخرَّ الشاب ساجدًا فسجدا معه

فقلت: يا عباس، أمر عظيم! فقال لي: أتدري من هذا الشابُّ؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، هذا ابن أخي. وقال: أتدري من هذا الغلام؟ فقلت: لا. قال: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، هذا ابن أخي، هل تدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا. قال: هذه خديجة ابنة خويلد زوجته ابن أخي هذا وابن أخي هذا حدَّثني أن ربه رب السماوات والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، ولا والله ما على ظهر الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة

هذا، وقد كانت هناك سمات وملامح بارزة اتَّسمت بها أمُّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وكان أوَّل ما يبرز من تلك الملامح صفتي العفَّة والطهارة، هاتان الصفتان التي قلَّما سُمِع عن مثلهما في بيئة لا تعرف حرامًا ولا حلالاً، في بيئة تفشَّت فيها الفاحشة حتى كانت البغايا يضعن شارات حمراء تنبئ بمكانهن


فقبل الإسلام وفي تلك البيئة الجاهليَّة، ومن بين نسائها جميعًا، انتزعتْ هذه المرأة العظيمة ذلك اللقب الشريف، ولُقِّبَتْ بـ "الطاهرة"، كما لُقِّبَ صلى الله عليه و سلم أيضًا في ذات البيئة بـ "الصادق الأمين"، ولو كان لهذه الألقاب سمع أو انتشار في هذا المجتمع آنذاك لما كان لذكرها ونسبتها لأشخاص بعينهم أهمِّيَّة تُذْكَر

كذلك كان من السمات والملامح البارزة لأُمِّ المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت حكيمة عاقلة، فكلُّ المصادر التي تحدَّثت عن السيدة خديجة رضي الله عنها وصفتها بـ "الحزم والعقل"، وكيف لا تُوصف بذلك وهي التي استعانت به في أمور تجارتها بعد أن عرفت عنه الصدق والأمانة

وقد تجلَّت مظاهر حكمتها وعقلانيَّتها حينما فكَّرَتْ في الزواج منه ، بل حينما عرضت هي الزواج عليه في صورة تحفظ ماء الوجه؛ حيث أرسلت السيدة نفيسة بنت منية دسيسًا عليه بعد أن رجع من الشام، ليَظْهَر وكأنَّه هو الذي أرادها وطلب منها أنْ يتزوَّجها، وهي التي كانت من أوسط قريش نسبًا، وأكثرهم مالاً، وكان أكابر قومها حريصين على الزواج منها، وكان منهم مَنْ قد طلبها وبذل لها الأموال... ثم هي ترفض وترغب في الزواج من محمد، ذلك الفقير، المسكين، اليتيم، المعدم


فلم تكن خديجة رضي الله عنها مراهقة حتى يُقال: إنها شُغِفت به. بل كانت آنذاك في الأربعين من عمرها، وهو مبلغ العقل والحكمة في الرجال والنساء، ولم تكن خديجة رضي الله عنها تعرفه منذ زمن بعيد حتى يقال: إنها أَلِفَتْه، أو كانت تعرفه عن قرب. فإنَّ بَعثة تجارة الشام الوحيدة وحكاية ميسرة عنه هي التي عَرَّفَتْها به
ثم هي وبعد الزواج نرى منها كمال الحكمة وكمال رجاحة العقل، فها هي ذي تستقبل أمر الوحي الأوَّل بعقلانيَّة قَلَّ أنْ نجدها في مثل هذه الأحوال بالذات؛ فقد رفضت أن تفسِّر الأمر بخزعبيلات أو أوهام، بل استنتجت بعقليَّتها الفذَّة وحكمتها الفريدة أنَّ الله لن يخزيه، فكان جوابها: "إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ


فقد توصَّلتْ إلى أنَّ مَن وفَّقه الله لمثلذلك وتخلَّق بمثل هذه الأخلاق، فلن يخزيه الله أبدًا، ثم أخذته إلى ورقة بن نوفل ليُدركا الأمر، وهذه طريقة عقلانيَّة منطقيَّة بدأت بالمقدِّمات وانتهت بالنتائج المترتِّبة على هذه المقدمات فيا لها من عاقلة، ويا لها من حكيمة
ونستطيع أنْ نلمس ملمحًا آخر يُمَيِّز شخص السيدة خديجة رضي الله عنها، وهو أنها نصير رسول الله، وهذه السمة تُعَدُّ مِنْ أهمِّ السمات التي تُمَيِّزها رضي الله عنها؛ فهي التي وهبت نفسها ومالها، وكلَّ ما ملكت لله ولرسوله، ويكفي في ذلك أنها آمنت بالرسول وآزرته ونصرته في أحلك اللحظات التي قلَّما تجد فيها نصيرًا أو مؤازرًا أو مُعِينًا، في أوَّل لحظات الرسالة

فآمنت به حين كفر الناسُ، وصدَّقته حين كذَّبه الناس، وواسته بالأُنس والمال حين نفر عنه الناس، وتلك هي صفات امرأة الشدائد؛ فكانت تمثِّل أعلى القيم الأخلاقيَّة والإيمانيَّة تجاه زوجها ، حيث قدَّمت كل ما تملك
لقد عاشت معه حلو الحياة ومُرِّها، وكانت فيهما نِعْم الأنيس ونعم النصير، وكان النبي مثل غيره من الأزواج؛ فلم يكن محاطًا من أهوال الدنيا ومصائبها بسياج من الحماية أو الأمن أو الدَّعَة، فتارة تحلو الحياة فنعم الحامدة الشاكرة هي، وتارة تكشِّر عن أنيابها وتبرز وجهها الآخر فكانت هي هي خديجة.. تؤازره تشاركه الهمَّ.. تهوِّن عليه.. تواسيه.. وتمسح عنه بكفٍّ من حنان كُلَّ الآلام والأحزان
فبعد زواجها من رسول الله ، وبعد تلقِّيها خبر الوحي، تطيب نفسها بانتقالها مع رسول الله r من حياة الراحة والاستقرار إلى حياة الدعوة والكفاح والجهاد والحصار، ولم يَزِدْها ذلك إلاَّ حُبًّا لمحمد وحبًّا لدين محمد ، وتحدِّيًا وإصرارًا على الوقوف بجانبه والتفاني في تحقيق أهدافه، فكانت هي خديجة.. امرأة الشدَّة.. امرأة المحنة


ولمَّا خرج رسول الله مع بني هاشم وبني عبد المطلب إلى شعاب مكة في عام المقاطعة، لم تتردَّد رضي الله عنها في الخروج معه لتشاركه أعباء ما يحمل من أمر الرسالة الإلهيَّة التي يحملها، على الرغم من تقدُّمها بالسنِّ، فأقامت معه في شعب أبي طالب ثلاث سنين، وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله تعالى

وكأنَّ الله اختصَّها بشخصها لتكون سندًا وعونًا للرسول في إبلاغ رسالة ربِّ العالمين الخاتمة، فكما اجتبى الله رسوله محمد واصطفاه من بين الخلق كافَّة، كذلك قدَّر له في مشوار حياته الأوَّل لتأدية الرسالة العالميَّة مَنْ تُضَارعه، أو على الأقلِّ تشابهه؛ لتكون شريكًا له في حمل هذه الدعوة في مهدها الأوَّل، فآنسته وآزرته وواسته بنفسها ومالها في وقت كان الرسول في أشدِّ الاحتياج لتلك المواساة والمؤازرة والنصرة

ومن خلال ملامح شخصيَّتها السابقة هذه نستطيع - وبكلِّ قوَّة - أنْ نصفها بملمح آخر يجمع ويُعَبِّر عن كامل شخصيَّتها، ألاَّ وهو الزوجة المثاليَّة، تلك التي تدفع زوجها إلى مدارج الكمال ومراتب العظمة، فهي بالفعل أُمُّ المؤمنين، وقدوة المؤمنات، التيجسَّدت خُلُق المرأة المثاليَّة في عَلاقتها مع زوجها من المودَّة والسَّكَن، والحبِّ والوفاء، والبذل والعـطاء، وتحمُّل المحنِّ والشدائد دون تأفُّف أو تضجُّر... فليت ثم ليت نساء المسلمين يَقْفُون أثرها ويحذون حذوها ويخطون خُطَاها


ولا شكَّ أنَّ امرأة بمثل هذه الصفات وتلك الملامح لا بُدَّ وأنْ يكون لها من الأفضال الكثير والكثير، والذي يُعَدُّ في بعض الأحيان كنوع من ردِّ الاعتبار لشخصها رضي الله عنها، فها هو ذا الرسول صلى الله عليه و سلم يُعْلِن في أكثر من مناسبة بأنها خير نساء الجنة، فيَرْوِي عليُّ بن أبي طالب عن النبي أنه قال: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ


فما أروع هذه الزيجة! وما أروع هذان الزوجان! وكأنَّ الله خلقهما لتأتمَّ بهما الدنيا كلها، ويأتمَّ بهما كلُّ زوج وزوجة يريدان إصلاحًا وفلاحًا، فهذا هو آدم في شخص النبي وهذه هي حوَّاء في شخص السيدة خديجة رضي الله عنها، وهذه هي الزيجة الربانيَّة كما أرادها الله، وكما طبَّقها رسول الله، وسلام الله عليها في العالمين.





سودة بنت زمعة العامرية رضي الله عنها..
ت 54 هـ / 674 م



كان رحيل السيدة خديجة رضي الله عنها مثير أحزان كبرى في بيت النبي ، وخاصَّة وأن رحيلها تزامن مع رحيل عمِّه أبي طالب - كما سبق أن أشرنا - حتى سُمِّي هذا العام بعام الحزن
وفي هذا الجو المعتم، حيث الحزن والوَحدة، وافتقاد مَنْ يرعى شئون البيت والأولاد، أشفق عليه أصحابه رضوان الله عليهم، فبعثوا إليه خولة بنت حكيم السلمية -رضي الله عنها- امرأة عثمان بن مظعون تحثُّه على الزواج من جديد

وهنا جاءته خولة رضي الله عنها، فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوَّج؟ فقال: "ومَنْ؟" قالت: إنْ شئتَ بكرًا، وإنْ شئتَ ثيِّبًا

فقال: "ومَنِ الْبِكْرُ وَمَنِ الثَّيِّبُ؟" قالت: أمَّا البكر فابنة أحبِّ خلق الله إليك، عائشة رضي الله عنها، وأما الثيِّب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك.
قال: "فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ
فانطلقت السيدة خولة -رضي الله عنها- إلى السيدة سودة، فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة
قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله أخطبك إليه
قالت: وددت، ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له. وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السنُّ قد تخلَّف عن الحجِّ، فدخلت عليه، فحيَّته بتحية الجاهليَّة، فقال: مَنْ هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم

قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة
فقال: كفء كريم، ما تقول صاحبتك؟ قالت: تحبُّ ذلك قال: ادعيها إليَّ. فدعتها

قال: أي بنية، إنَّ هذه تزعم أنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبكِ، وهو كفء كريم، أتحبِّين أنْ أزوِّجَكِ به؟
قالت: نعم. قال: ادعيه لي فجاء رسول الله فزوَّجها إيَّاه


فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحجِّ، فجاء يحثي على رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوَّج رسول الله سودة بنت زمعة

وهي بعدُ: أمُّ المؤمنين سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس، وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو، بنت أخي سلمى بنت عمرو بن زيد أمِّ عبد المطلب، تزوَّجها قبل رسول الله r ابن عمٍّ لها هو: السكران بن عمرو بن عبد شمس، أخو سهل وسهيل وسليط وحاطب، ولكلهم صحبة، وهاجر بها السكران إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها

فأمست السيدة سودة -رضي الله عنها- بين أهل زوجها المشركين وحيدة لا عائل لها ولامعين؛ حيث أبوها مازال على كفره وضلاله، ولم يزل أخوها عبد الله بن زمعة على دين آبائه، وهذا هو حالها قبل زواج الرسول منها

وتعدُّ السيدة سودة أوَّل امرأة تزوَّجها الرسول r بعد خديجة، وكانت قد بلغت من العمر حينئذٍ الخامسة والخمسين، بينما كان رسول الله في الخمسين من عمره، ولما سمع الناس في مكة بأمر هذا الزواج عجبوا؛ لأن السيدة سودة لم تكن بذات جمال ولا حسب، ولا مطمع فيها للرجال، وقد أيقنوا أنه إنما ضمَّها رفقًا بحالها، وشفقة عليها، وحفظًا لإسلامها، وجبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة، وكأنهم علموا أنه زواج تمَّ لأسباب إنسانيَّة

وتُطالعنا سيرة السيدة سودة -رضي الله عنها- بأنها قد جمعت ملامح عظيمة وخصالاً طيبة، كان منها أنها كانت معطاءة تُكْثِر من الصدقة، حتى إنَّ عمر بن الخطاب بعث إليها بغِرارة من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم. قالت: في غرارة مثل التمر؟ ففرَّقتها بين المساكين

وقد وَهَبَتْ رضي الله عنها يومها لعائشة؛ ففي صحيح مسلم أنها: "لَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِr يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: "مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلاَخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ


وقد ضمَّتْ إلى لتلك الصفات لطافةً في المعشر، ودعابةً في الرُّوح؛ مما جعلها تنجح في إذكاء السعادة والبهجة في قلب النبي ، فقد روى ابن سعد في طبقاته عن إبراهيم، قال: قالت سودة لرسول الله r: صليت خلفك البارحة فركعت بي حتى أمسكتُ بأنفي مخافة أن يقطر الدم. قال فضحك. وكانت تُضحكه الأحيان بالشيء.


وفاتها
تُوُفِّيَتْ أمُّ المؤمنين سودة بنت زمعة -رضي الله عنها- في شوال سنة 54 هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان ، ونقل الصفدي عن الواقدي قوله: الثبت عندنا أنها تُوُفِّيَتْ سنة أربع وخمسين.



Nlihj hglclkdk

  #2  
قديم 09-07-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Oct 2008
الجنـــــــــــس : female
مكان الإقـامـة : ¨°o.O IRAQO.o°¨
المشاركـــــات :  22,650
افتراضي

ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها..
29 ق. هـ - 51 هـ / 593 – 671 م

هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال، وأُمُّها: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير، وأخوات ميمونة لأبيها وأُمِّها: أمُّ الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث زوج العباس بن عبد المطلب، ولبابة الصغرى عصماء بنت الحارث زوج الوليد بن المغيرة وهى أمُّ خالد بن الوليد

وكانت تحت أُبَيِّ بن خلف الجهمي فوَلَدَتْ له أَبَانًا وغيره، وعزَّة بنت الحارث، كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك، فهؤلاء أخوات أمِّ المؤمنين ميمونة لأب وأُمٍّ، أمَّا أخوات ميمونة لأُمِّها: أسماء بنت عميس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب فوَلَدَتْ له عبد الله وعونًا

وقد كان يقال: أكرمُ أصهار عجوزٍ في الأرض هندُ بنت عوف بن زهير بن الحارث أمُّ ميمونة، وأمُّ أخواتها أصهارها العباس وحمزة ابنا عبد المطلب، الأول على لبابة الكبرى بنت الحارث منها، والثاني على سلمى بنت عميس منها، وجعفر وعلي ابنا أبي طالب كلاهما على أسماء بنت عميس الأول قبل أبي بكر والثاني بعد أبي بكر، وشداد بن أسامة بن الهادي الليثي على سلمى بنت عميس منها بعد وفاة حمزة بن عبد المطلب، ورسول الله على بنتها زينب بنت خزيمة، ثم بعد وفاتها أختها لأُمِّها ميمونة بنت الحارث جميعًا.


مكانتها وفضلها وعلمها رضي الله عنها

كان للسيِّدة ميمونة بنت الحارث - رضي الله عنها - مكانتها بين أُمَّهات المؤمنين فهي أخت أُمِّ الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد، كما أنها خالة ابن عباس جميعًا
ورُوي لها سبعة أحاديث في "الصحيحين"، وانفرد لها البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، وجميع ما روت ثلاثة عشر حديثًا

وقد وصفها الرسول وأخواتها بالمؤمنات، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r:"الأَخَوَاتُ مُؤْمِنَاتٌ: مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ ، وَأُمُّ الْفَضْلِ بنتُ الْحَارِثِ، وسَلْمَى امْرَأَةُ حَمْزَةَ، وَأَسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ هِيَ أُخْتُهُنَّ لأُمِّهِنَّ.


زواجها من رسول الله

لما تأيَّمت ميمونة بنت الحارث - رضي الله عنها - عرضها العباس على النبي في الجُحْفَة، فتزوَّجها رسول الله ، وبنى بها بسَرِف على عشرة أميال من مكة، وكانت آخر امرأة تزوَّجها رسول الله ، وذلك سنة سبع للهجرة (629 م) في عمرة القضاء، وهي خالة خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس – رضي الله عنهما - وقد أصدقها العباس عن رسول الله أربعمائة درهم، وكانت قَبْلَه عند أبي رُهْم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي؛ ويقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه و سلم ، وذلك أن خطبة النبي انتهت إليها وهي على بعيرها، فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله. فأنزل الله تبارك وتعالى "وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
وقد قيل: إن اسمها كان بَرَّة فسمَّاها رسول الله ميمونة، وكانت - رضي الله عنها - قريبة من رسول الله، فكانت تغتسل مع رسول الله في إناء واحد.


الحكمة من زواج النبي بها

لقد حقَّق النبي بزواجه من السيدة ميمونة - رضي الله عنها - مصلحة عُلْيَا، وهي أنه بهذه المصاهرة لبني هلال كَسَبَ تأييدهم، وتألَّف قلوبهم، وشجعهم على الدخول في الإسلام، وهذا ما حدث بالفعل، فقد وجد النبي منهم العطف الكامل والتأييد المطلق، وأصبحوا يدخلون في الإسلام تباعًا، ويعتنقونه طواعية واختيارًا

قال العلامة محمد رشيد رضا: ورد أن عمَّ النبي العباس رغَّبه فيها، وهي أخت زوجه لبابة الكبرى أمِّ الفضل، وهو الذي عقد له عليها بإذنها، ولولا أن العباس رأى في ذلك مصلحةً عظيمةً لما اعتنى به كل هذه العناية.


ميمونة في بيت النبي

كانت - رضي الله عنها - آخر امرأة تزوَّجها رسول الله. قال ابن هشام: كانت جَعَلَتْ أمرها إلى أختها أمِّ الفضل، فجعلتْ أمُّ الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوَّجها رسولَ الله صلى الله عليه و سلم ، وأصدقها عنه أربعمائة درهم، وأنزل الله تعالى فيها: "وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. لما انتهت إليها خطبة رسول الله لها وهي راكبة بعيرًا قالت: الجمل وما عليه لرسول الله ويُقال: إنها هي التي وهبتْ نفسها للنبي


وبانضمام السيدة ميمونة - رضي الله عنها - إلى ركب آل البيت،وإلى أزواج رسول الله كان لها كما لأُمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن - دور كبير في نقل حياة رسول الله إلى الأُمَّة، كما قال الله تعالى: "وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.قال البغوي: قوله: "وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ" يعني القرآن، {وَالْحِكْمَةِ} قال قتادة: يعني السنة. وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه

ومن ثَمَّ كانت أُمَّهات المؤمنين تنقل الأحكام الشرعية بدقَّة بالغة، فنجد الأحاديث التي يُذكر فيها الغسل والوضوء وما كان يفعله النبي في نومه واستيقاظه ودخوله وخروجه، وما كان أحد لينقل هذه الأمور كلها بهذه الدقَّة إلاَّ أُمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن، وذلك نظرًا لصحبتهن الدائمة للرسول.


مروياتها عن رسول الله

روت عن رسول الله ، وروى عنها: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، ومولاها سليمان بن يسار، وعبد الله بن سليط، وابن أختها عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أخيها عبد الرحمن بن السائب الهلالي، وغيرهم.


وفاتها
وقد تُوُفِّيَتْ - رضي الله عنها - بسَرِف بين مكة والمدينة - حيث بنى بها رسول الله وذلك سنة (51هـ/ 671 م)، أكَّد ذلك ابن حجر وغيره، وكان لها يوم تُوُفِّيَتْ ثمانون أو إحدى وثمانون سنة





أم سلمة هند بنت أبي أمية..
4:2 ق. هـ 61 هـ/598 - 680 م

نسبها
هي هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، كان أبوها - رضي الله عنها- من أجواد قريش يُعرف ب "زاد الركب" لكرمه، وأمُّها هي عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن عبد المطلب، أخوالها لأبيها عبد الله وزهير ابنا عمَّة رسول الله.


زواجها وهجرتها وتضحيتها
تزوَّجت أمُّ سلمة من ابن عمِّها أبو سلمة ، وهو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن مخزوم القرشي، وهو من الصحابة الأجلاء الذين أبلَوْا في الإسلام بلاءً حسنًا، وهو ابن عمَّة رسول الله ، فأُمُّه بَرَّة بنت عبد المطلب هاجرت السيدة أمُّ سلمة مع زوجها – رضي الله عنهما – إلى الحبشة، فعن أمِّ سلمة - رضي الله عنها - قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جوار، وأَمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله لا نُؤذى، فلمَّا بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا، فجمعوا أدمًا كثيرًا... ، وهذا الحديث يدلِّل على هجرة أمِّ سلمة وأبي سلمة للحبشة.

ولمَّا أَذِن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، وقعت قصة عظيمة للسيدة أمِّ سلمة - رضي الله عنها - تتجسَّد فيها أسمى معاني التضحية والصبر لله تعالى؛ حيث كان أبو سلمة أوَّل من هاجر إلى المدينة من أصحاب النبي من بني مخزوم، هاجر قبل بيعة أصحاب العقبة بسَنَةٍ، وكان قَدِمَ على رسول الله صلى الله عليه و سلم من أرض الحبشة، فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرًا، وقد عانت السيدة أمُّ سلمة - رضي الله عنها - ألمًا شديدًا، في هذه الهجرة.

فتقول – رضي الله عنها -: لمَّا أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلمَّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبط فما أزال أبكي، حتى أمسى سنة أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تُخْرِجون هذه المسكينة، فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها. قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني
قالت: فارتحلتُ بعيري، ثم أخذتُ ابني فوضعته في حجري، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خلق الله. قالت: فقلتُ: أتبلَّغ بمن لقيتُ حتى أقدَم على زوجي. حتى إذا كنتُ بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلتُ: أريد زوجي بالمدينة قال: أَوَمَا معكِ أحد؟ قالت: فقلتُ: لا والله إلاَّ الله وبُنَيَّ هذا
قال: والله ما لك مِن مترك. فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ، أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأْخَر عنِّي، حتى إذا نزلتُ استأخر ببعيري، فحطَّ عنه، ثم قيَّده في الشجرة، ثم تنحَّى وقال: اركبي. فإذا ركبتُ واستويتُ على بعيري؛ أتى فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلمَّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُبَاء، قال زوجك في هذه القرية – وكان أبو سلمة بها نازلاً – فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعًا إلى مكة. فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قطُّ كان أكرم من عثمان بن طلحة.

وقد شهِد أبو سلمة بدرًا، وجُرح بأُحُد جرحًا اندمل ثم انتُقِضَ، فمات منه في جُمَادى الآخرة سنة ثلاث من الهجرة
وعن أمِّ سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: لقد سمعتُ من رسول الله r قولاً سُرِرْتُ به قال: "لا يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلاَّ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ
قالت أمُّ سلمة: فحفظت ذلك منه.

فلمَّا تُوُفِّي أبو سلمة استرجعتُ، وقلتُ: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها. ثم رجعتُ إلى نفسي فقلتُ: مِن أين لي خيرٌ من أبي سلمة؟ فلمَّا انقضَتْ عدَّتي استأذن عليَّ رسول الله وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلتُ يدي من القرظ وأذنتُ له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلمَّا فرغ من مقالته قلتُ: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيَّ، ولكني امرأة بي غَيرة شديدة، فأخاف أن ترى منِّي شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلتُ في السن وأنا ذات عيال
فقال: " أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللَّهُ مِنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي
فقالت: فقد سَلَّمْتُ لرسول الله
فقالت أمُّ سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسولَ الله.


الحكمة من زواجه من أمِّ سلمة رضي الله عنها
كان لفتة حانية وتكريمًا رفيعًا من الرسول أن تزوَّج أمَّ سلمة - رضي الله عنها - فقد غدت بعد وفاة زوجها المجاهد أبي سلمة - من غير زوج يعيلها، أو أحد يكفلها، رغم ما بذلت هي وزوجها من جهد لهذه الدعوة المباركة، وهي مع ذلك كان لها من الأيتام أربعة، فكان الرسول صلى الله عليه و سلم هو الزوج لها والكفيل لأبنائها.


حياتها مع رسول الله وفضلها
بعد وفاة أبي سلمة وانقضاء عِدَّة أمِّ سلمة - خطبها أبو بكر فرَدَّتْه، ثم خطبها عمر فرَدَّتْه، ثم استأذن عليها الرسول ، فوافقت على الزواج من النبي بعد أن زوَّجها ابنها، وشهد عقدها رجال من صحابة النبي ، فكان صداقها - رضي الله عنها - كصداق عائشة: صحفة كثيفة، وفراش حشوه ليف، ورحى، ودخل بها النبي سنة أربع من الهجرة

وقد كانت - رضي الله عنها - تختلف عن باقي نساء النبي صلى الله عليه و سلم ، فقد انتُزع من صدرها الغَيرة؛ حيث اعترفتْ للنبي بغَيرتها، وذلك عند خطبته لها، فدعا لها النبي صلى الله عليه و سلم بذهاب الغَيرة من نفسها، وكانت - رضي الله عنها - من أجمل نسائه باعتراف أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - حيث تقول عائشة رضي الله عنها

وقد كانت للسيدة أم سلمة - رضي الله عنها - مكانتها عند النبيصلى الله عليه و سلم فعن زينب ابنة أمِّ سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان عند أمِّ سلمة - رضي الله عنها - فجعل حَسَنًا في شقٍّ زينب ابنة أمِّ سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان عند أمِّ سلمة - رضي الله عنها - فجعل حَسَنًا في شقٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". وأنا وأمُّ سلمة - رضي الله عنها - جالستان، فبكت أمُّ سلمة – رضي الله عنها- فنظر إليها رسول الله ، وقال: "مَا يُبْكِيكِ؟" قالت: يا رسول الله، خصصتهم وتركتني وابنتي. قال:"أَنْتِ وَابْنَتُكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ"وحُسَيْنًا في شقٍّ، وفاطمة في حجره، وقال:

ولمَّا كان النبي يدخل على نسائه كان يبتدئ بأمِّ سلمة رضي الله عنها، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله إذا صلَّى العصر دخل على نسائه واحدة واحدة، يبدأ بأمِّ سلمة - رضي الله عنها - لأنها أكبرهن، وكان يختم بي
كانت أمُّ سلمة - رضي الله عنها - طيِّبة عفيفة، لها مكانتها عند رسول الله، فعيالها تربَّوْا في حجر النبي،وكان زواجها من النبي راجع لحكمة جليلة، وهي أنها غدت بعد زوجها أبي سلمt من غير عائل أو كفيل، وهي مع زوجها – رضي الله عنهما – قد مَنَحَا الدعوة كل ما يملكانه من مال ونفس وتضحية، فأبدلها الله بزواجها من النبي كلَّ خيرٍ فَقَدْتُه، وكان النبي يكرِّمها ويهديها، ولما تزوج النبي أمَّ سلمة - رضي الله عنها - قال لها "إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلاَّ قَدْ مَاتَ، وَلا أَرَى إِلاَّ هَدِيَّتِي مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ". قال: وكان كما قال رسول الله ، ورُدَّتْ عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أمَّ سلمة بقية المسك والحُلَّة.


رجاحة عقلها، ونزول قرآن فيها

وكانت أمُّ سلمة - رضي الله عنها - سببًا مباشرًا لنزول بعض الآيات الكريمة من القرآن الكريم، فعن مجاهد، قال: قالت أمُّ سلمة: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث. فنزلت: "وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ"، ونزلت: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ

قال مجاهد: وأُنْزِل فيها"إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ"، وكانت أمُّ سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة
وعن عمرو بن دينار، عن سلمة - رجل من آل أمِّ سلمة - قال: قالت أمُّ سلمة: يا رسول الله، لا نَسْمَع اللهَ ذَكَر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله : "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى" إلى آخر الآية.




موقفها - رضي الله عنها - يوم الحديبية

لما فرغ رسول الله من قضية الكتاب، قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرَّات، فلمَّا لم يَقُمْ منهم أحد دخل على أمِّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أمُّ سلمة: يا نبي الله أتحبُّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلِّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج فلم يكلِّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بُدْنه ودعا حالقه فحلقه، فلمَّا رأَوْا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا
قال ابن حجر: وإشارتها على النبي يوم الحديبية تدلُّ على وفور عقلها وصواب رأيها

مروياتها عن رسول الله

وقد روت - رضي الله عنها كما ذكر الذهبي في مسندها – ثلاثمائة وثمانين حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر، وقد روت - رضي الله عنها - الأحاديث الخاصَّة بمعشر النساء بغرض التعليم والتوجيه، فقد روت أن النبي كان يُقَبِّلها وهو صائم، وأنها كانت تغتسل معه من الإناء الواحد من الجنابة، وأنها كانت تنام مع النبي في لحاف واحد، وأنها كانت تأتيها الحيضة فيقول لها "أَنَفِسْتِ؟" قلتُ: نعم. قال: "قُومِي فَأَصْلِحِي حَالَكِ ثُمَّ عُودِي". فألقيتُ عني ثيابي، ولبستُ ثياب حيضتي، ثم عدتُ فدخلت معه اللحاف

مشاركتها في أحداث عصرها

وبعد وفاة النبي شاركت أمُّ المؤمنين أمُّ سلمة - رضي الله عنها - في أحداث عصرها؛ فقد دخلتْ ذاتَ يوم على أمير المؤمنين عثمان بن عفان قائلة له: "ما لي أرى رعيَّتك عنك نافرين، ومن جناحك ناقرين، لا تُعَفِّ لَحَبَهَr أكباه: أمَّا بعد، فقد قلتِ فوعيتُ، وأوصيتِ فقبلتُ، وتوخَّ حيث توخَّى صاحباك - أبو بكر وعمر - فإنهما ثَكَمَا الأمر ثَكْمً ولم يظلمَا، هذا حقُّ أمومتي أَقْضِيه إليك، وإن عليك حقَّ الطاعة. فقال عثمان طريقًا كان رسول الله، ولا تقتدح بزند كان


موقفها يوم الجمل

وفي حديث أمِّ سلمة أنها أتت عائشة لما أرادت الخروج إلى البصرة فقالت لها: إنك سُدَّة بين رسول الله وأُمَّته، وحجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تَنْدَحِيه أن يعهد إليك عهدًا عُلْتِه عن الفُرْطة في البلاد؛ إن عمود الإسلام لا يثاب بالنساء إن مال، ولا يُرْأَبُ بهن إنْ صَدَعَ، حُماديا النساء غضُّ الأطراف وخفر الأعراض، وقِصَرُ الوَهَازَة، بل قد نهاك رسول الله ، وسكن عُقَيْرَاكِ فلا تُصْحِرِيهَا، الله من وراء هذه الأُمَّة، لو أراد رسول الله

ما كنتِ قائلة لو أن رسول الله عارضكِ ببعض الفلوات ناصَّة قلوصًا من منهل إلى آخر؟ أن بعين الله مهواك، وعلى رسوله تردِّين قد وجهت سدافته - ويُروى سجافته - وتركتِ عهيداه. لو سرتُ مسيرَكِ هذا ثم قيل: ادخلي الفردوس. لاستحييتُ أن ألقى محمدًا هاتكة حجابًا قد ضربه عليَّ. اجعلي حصنكِ بيتكِ، ووقاعة الستر قبرك حتى تلقيه وأنت على تلك أطوع ما تكونين لله ما لزمتِه، وأَنْصَر ما تكونين للدِّين ما جلستِ عنه، لو ذكَّرْتُك قولاً تعرفينه نهشته نهش الرقشاء المطرِقة

فقالت عائشة: ما أقبلني لوعظك! وليس الأمر كما تظنِّين، ولنعم المسير مسير فزعتْ فيه إليَّ فئتان متناجزتان أو متناحرتان - إن أقعد ففي غير حرج، وإن أخرج فإلى ما لا بُدَّ من الازدياد منه
ويُذكر أن بُسر بن أرطاة قدم المدينة في خلافة معاوية، ورفض أن يُبايع، فأتت أمُّ سلمة إليه، وقالت له: بايع، فقد أمرت عبد الله بن زمعة ابن أخي أن يُبايع


وفاتها

وقد تُوُفِّيَتْ أُمُّ المؤمنين أمُّ سلمة - رضي الله عنها - في ولاية يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين للهجرة كما ذكر ابن حبان، وقد تجاوزت الرابعة والثمانين من عمرها، وقيل: عُمِّرت تسعين سنة رضي الله عنها
  #3  
قديم 09-07-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Oct 2008
الجنـــــــــــس : female
مكان الإقـامـة : ¨°o.O IRAQO.o°¨
المشاركـــــات :  22,650
افتراضي

جويرية بنت الحارث رضي الله عنها..
14 ق. هـ - 56 هـ / 608 – 676 م


نسبها
هي بَرَّة بنت الحارث بن أبي ضرار بن مالك بن جذيمة، وجذيمة هو المصطلق من خزاعة، تزوَّجها مسافع بن صفوان المصطلقي، فقُتل يوم المُرَيْسِيع، أبوها هو الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق وزعيم قومه .


غَدْرُ بني المصطلق
بلغ رسولَ الله أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث - رضي الله عنها - زوجِ رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلمَّا سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم - يقال له المُرَيْسِيع - من ناحية قُدَيْد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل مَنْ قتل منهم، ونفل رسول الله أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم، فأفاءهم عليه.

وقد رأت السيدة جويرية بنت الحارث رؤيا قبل قدوم النبي بثلاث ليالٍ، فتقول رضي الله عنها: رأيتُ قبل قدوم النبي بثلاث ليالٍ كأنَّ القمر أقبل يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهتُ أن أخبر بها أحدًا من الناس، حتى قَدِم رسول الله ، فلمَّا سُبِينَا رجوتُ الرؤيا، فلمَّا أعتقني وتزوَّجني، والله ما كلَّمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرتُ إلاَّ بجارية من بنات عمِّي تخبرني الخبر، فحَمِدت الله.

زواجها من رسول الله وبركتها على قومها
كانت السيدة جويرية - رضي الله عنها - بركة على قومها، فقد أعتق المسلمون الكثير من قومها، ببركة زواجها من النبي، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما قسّم رسول الله صلى الله عليه و سلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عمٍّ له، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلاَّ أخذتْ بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه و سلم تستعينه في كتابتها؛ قالت عائشة: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتُها، وعَرَفتُ أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلتْ عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخفَ عليك، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشماس - أو لابن عمٍّ له - فكاتبتُه على نفسي، فجئتُك أستعينُك على كتابتي. قال: "فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أَقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ". قالت: نعم يا رسول الله. قال: "قَدْ فَعَلْتُ قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد تزوَّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فقال الناس أصهار رسول الله. وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أُعتق بتزويجه إيَّاها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.


ولمَّا انصرف رسول الله من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث - وكان بذات الجيش - دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعةً، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله المدينة؛ فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، فلمَّا كان أبوها بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيَّبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، وقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها. فقال رسول الله: "فَأَيْنَ الْبَعِيرَانِ اللَّذَانِ غَيَّبْتَهُمَا بِالْعَقِيقِ، فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا؟" فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنك محمد رسول الله، فوالله ما اطَّلَع على ذلك إلاَّ الله. فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبي ، ودُفِعَتْ إليه ابنته جويرية، فأسلمتْ وحَسُن إسلامها؛ فخطبها رسول الله إلى أبيها، فزوَّجه إيَّاها، وأصدقها أربعمائة درهم.

فضلها وكثرة ذكرها لله
غيَّر النبي صلى الله عليه و سلم اسمها من بَرَّة إلى جُوَيْرِيَة، وقد رُوي عنها أنها كانت تُكثر التسبيح، وهو من فضائلها رضي الله عنها، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من عند جويرية، وكان اسمها بَرَّة فحوَّل اسمها، فخرج رسول الله وهي في مصلاَّها، ودخل وهي في مصلاَّها، فقال: "لَمْ تَزَالِي فِي مُصَلاَّكِ هَذَا؟ قالت: نعم. قال: " قَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ لَوَزَنَتْهُنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ .


عِلْمُها وقنوتُها
بعد وفاة رسول الله التزمتْ - رضي الله عنها - التعبُّد والقنوت لله تعالى، وقد نَقلتْ عن رسول الله مجموعة من الأحاديث؛ فقد حدَّث عنها: ابن عباس، وعُبَيْد بن السباق، وكُرَيْب مولى ابن عباس، ومجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي، وجابر بن عبد الله. بلغ مسندها في كتاب بقيِّ بن مخلد سبعة أحاديث؛ منها أربعة في الكتب الستَّة، عند البخاري حديث، وعند مسلم حديثان، وقد تضمَّنت مرويَّاتها أحاديث في الصوم في عدم تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وحديثًا في الدعوات في ثواب التسبيح، وفي الزكاة في إباحة الهدية للنبي صلى الله عليه و سلم وإن كان المُهْدِي مَلَكها بطريق الصدقة، كما روت في العتق.


وفاتها
تُوُفِّيتْ أُمُّ المؤمنين جويرية بنت الحارث - رضي الله عنها - سنة 56 من الهجرة، وهي في السبعين من عمرها، أو في الخامسة والستين، وقد صلَّى عليها مروان بن الحكم، وهو يومئذ والٍ على المدينة، وقد دُفنت في البقيع رضي الله عنها.




حفصة بنت عمر رضي الله..
18 ق. هـ - 45 هـ/ 604 - 665 م


هي حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عدي بن كعب بن لؤي، وأُمُّها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب
وُلِدَتْ حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي بخمس سنين، وحفصة -رضي الله عنها- أكبر أولاد عمر بن الخطاب ؛ فقد ورد أن حفصة أسن من عبدالله بن عمر، وكان مولدها قبل الهجرة بثمانية عشر عامًا.

حياتها قبل النبي

تزوَّجت حفصة -رضي الله عنها- من خُنَيْس بن حذافة السهمي، وقد دخلا الإسلام معًا، ثم هاجر خُنَيْس إلى الحبشة في الهجرة الأولى، التي كانت مكَّونة من اثني عشر رجلاً وأربع نسوة، يرأسهم عثمان بن عفان رضى الله عنه ومعه السيدة رقيَّة ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم هاجر خُنَيْس بن حُذافة رضى الله عنه مع السيدة حفصة –رضي الله عنها- إلى المدينة، وقد شهد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بدرًا، ولم يشهد من بني سهم بدرًا غيره، وقد تُوُفِّيَ رضى الله عنه متأثِّرًا بجروح أُصيب بها في بد[3].

زواجها من النبي

وبعد وفاة زوجها يرأف أبوها عمر بن الخطاب بحالها، ثم يبحث لها عن زوج مناسب لها، فيقول: لقيتُ عثمان فعرضتُ عليه حفصة، وقلتُ: إن شئتَ أنكحتُكَ حفصة ابنة عمر. قال: سأنظر في أمري. فلبثتُ لياليَ ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا. قال عمر: فلقيتُ أبا بكر، فقلتُ: إن شئتَ أنكحتُكَ حفصة ابنة عمر فصمت أبو بكر، فلم يُرْجِع إليَّ شيئًا، فكنت أَوْجَد عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ ليالي، ثم خطبها رسول الله فأنكحتها إيَّاه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلَّك وَجَدْتَ علَيَّ حين عرضتَ علَيَّ حفصة، فلم أُرجع إليك شيئًا؟ فقلتُ نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ علَيَّ إلاَّ أنِّي كنتُ علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله ، ولو تركها رسول الله لقبلتُها
وقد تزوَّج رسول الله حفصة في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا، قبل أُحُد، وقيل: تزوَّجها رسول اللهصلى الله عليه وسلم في سنة ثلاث من الهجرة.

حفصة في بيت النبي

اشتهرت السيدة حفصة -رضي الله عنها- بالغَيرة على رسول الله بين زوجاته الأخريات، والغَيرة في المرأة أمر من الأمور الملازمة لطبيعتها وشخصيَّتها، خاصَّة إذا كانت لها في زوجها ضرائر، فكل واحدة منهن تريد أن تستحوذ عليه بحبِّها وعطفها وقربها، وأن يكون لها دون سواها؛ لذا فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها: أن نساء النبي كنَّ حزبين؛ حزب فيه: عائشة، وحفصة، وصفيَّة، وسودة، وحزب فيه: أُمُّ سلمة، وسائر أزواج النبي ، وقد جاء في سبب نزول قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أن مارية القبطيَّة المصريَّة أُمَّ ولد النبي صلى الله عليه و سلم إبراهيم، قد أصابها النبي صلى الله عليه و سلم في بيت السيدة حفصة رضى الله عنها وفي يومها فوجَدت حفصة في نفسها، فقالت: يا رسول الله لقد جئتَ إليَّ بشيء ما جئتَه إلى أحد من أزواجك، في يومي وفي دوري وعلى فراشي. فقال: "أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلا أَقْرَبُهَا أَبَدًا؟" قالت حفصة رضي الله عنها: بلى فحرَّمها رسول الله ، وقال: "لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لأَحَدٍ". فذكرته لعائشة – رضي الله عنها– فأظهره الله عليه، فأنزل قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير ، ثم كفَّر النبي عن يمينه، وأصاب مارية.


وقد كانت حفصة -رضي الله عنها- كسائر نساء النبي تتقرَّب إليه بما يحبُّه، وتسأله النفقة والمال، فعن ابن عباس أنه كان يريد أن يسأل عمر بن الخطاب عن قول الله تعالى: "إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ،فقال ابن عباس – رضي الله عنهما – لعمر بن الخطاب: فكنتُ أهابك. فقال: سلني عمَّ شئتَ، فإنَّا لم نكن نعلم شيئًا حتى تعلَّمْنَا. تعلَّمْنَا فقلتُ: أخبرني عن قول الله: "إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ]" مَنْ هما؟ فقال: لا تسأل أحدًا أعلم بذلك منِّي، كنَّا بمكة لا يكلم أحدُنا امرأَتَه إنما هُنَّ خادم البيت، فإذا كان له حاجة سَفَع يكلِّمنه نساؤه فخرجتُ فدخلتُ على حفصة، فقلتُ: يا بنيَّة، انظري، لا تكلِّمي رسول الله في شيء، ولا تسأليه، فإن رسول الله ليس عنده دنانير ولا دراهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني... برجليها فقضى منها حاجته، فلمَّا قدمنا المدينة تعلَّمْنَ من نساء الأنصار، فجعلْنَ يكلِّمننا ويراجعننا، وإنِّي أَمَرْتُ غلمانًا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا. فقمتُ إليها بقضيب فضربتها به، فقالت: يا عجبًا لك يابن الخطاب تريد ألاَّ تكلِّم! فإن رسول الله.


الغَيْرة في حياة السيدة حفصة رضي الله عنها


أوَّلاً: غيرتها من مارية القبطيَّة رضي الله عنها

في قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"، قال الطبري: اختَلَف أهل العلم في الحلال الذي كان الله جلَّ ثناؤه أحلَّه لرسوله، فحرَّمه على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال بعضهم: كان ذلك مارية في يومها وفي حجرتها. مملوكته القبطيَّة، حَرَّمَهَا على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلب بذلك رضا حفصة بنت عمر زوجته؛ لأنها كانت غارت بأن خلا بها رسول الله.


ثانيًا: غيرتها من السيدة صفيَّة رضي الله عنها

عن أنس قال: بلغ صفيَّة أن حفصة قالت: صفيَّة بنت يهودي. فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه و سلم وهي تبكي فقال: "مَا يُبْكِيَكِ: "إِنَّكِ لابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟" ثم قال: "اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ قالت: قالت لي حفصة إني ابنة يهودي. فقال النبي


ثالثًا: غيرتها من السيدة سودة رضي الله عنها

عن رزينة مولاة رسول الله r أن سودة اليمانيَّة جاءتْ عائشةَ تزورها وعندها حفصة بنت عمر، فجاءت سودة في هيئة وفي حالة حسنة، عليها بُرد من دروع اليمن وخمار كذلك، وعليها نقطتان مثل العدستين من صبر وزعفران إلى موقها - قالت عليلة وهذه بيننا تبرق. فقالت أُمُّ المؤمنين: اتَّقي الله يا حفصة. فقالت: لأفسدن عليها زينتها. قالت: ما تَقُلْنَ؟ وكان في أذنها ثِقَلٌ، قالت لها حفصة: يا سودة، خرج الأعور. قالت: نعم. ففزعت فزعًا شديدًا، فجعلت تنتفض، قالت: أين أختبئ؟ قالت: عليكِ بالخيمة - خيمة لهم من سعف يختبئون فيها - فذهبت فاختبأت فيها، وفيها القذر ونسيج العنكبوت، فجاء رسول الله r وهما تضحكان لا تستطيعان أن تتكلَّما من الضحك، فقال: "مَاذَا الضَّحِكُ؟" ثلاث مرَّات، فأومأتا بأيديهما إلى الخيمة، فذهب فإذا سودة ترعد، فقال لها: "يَا سَوْدَةُ، مَا لَكِ؟" قالت: يا رسول الله، خرج الأعور. قال: "مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجن، مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجن". فأخرجها فجعل ينفض عنها الغبار ونسيج العنكبوتوأدركتُ النساءَ يتزيَّنَّ به - فقالت حفصة لعائشة: يا أم المؤمنين اتقي يجيء رسول الله.


رابعًا: غيرتها من السيدة عائشة رضي الله عنها

عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدَّث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك؛ تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى. فركبتْ، فجاء النبي إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم عليها، ثم سار حتى نزلواوافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلتْ رجليها بين الإِذْخر وتقول: يا ربِّ سلِّط علَيَّ عقربًا أو حيَّة تلدغني، ولا أستطيعُ أن أقول له شيئًا.


خامسًا: غيرة أمهات المؤمنين منها

عن عائشة قالت: كان رسول الله يحِبُّ الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغِرْتُ، فسألتُ عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي منه شربة. فقلتُ: أما والله لنحتالَنَّ له. فقلتُ لسودة بنت زَمْعَةَ: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلتَ مغَافي؟ فإنه سيقول لك: "لا". فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: "سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ". فقولي: جَرَسَتنحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك. قالت: تقول سودة: والله ما هو إلاَّ أن قام على الباب، فأردتُ أن أباديه بما أمرتِنِي فرقًا منكِ. فلمَّا دنا منها، قالت له سودة: يا رسول الله، أكلتَ مغافير؟ قال: "لا". قالت: فما هذه الريح التي أجد منكَ؟ قال: "سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ". قالت: جَرَسَت نَحلُه العرفطَ. فلمَّا دار إليَّ قلتُ نحو ذلك، فلمَّا دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلمَّا دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حَاجَةَ لِي فِيهِ". قالت تقول سودة: والله لقد حَرَمْنَاه. قلتُ لها: اسكتي.

وعن أنس قال: كان النبيُّ عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أُمَّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربَتِ التي هو في بيتها يد الخادم فسقطَت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه و سلم فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: "غَارَتْ أُمُّكُمْ". ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صَحْفَتُه،وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرَتْ.


طلاقها من النبي ورجوعها إليه

طَلَّقَ النبي السيدة حفصة – رضي الله عنها - فلمَّا علم عمر بن الخطاب بطلاقها، حثى على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد اليوم. فعن قيس بن زيد: أن النبي طلَّق حفصة بنت عمر تطليقة، فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلَّقني عن سبع وجاء النبي فقال: "قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ؛ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَإِنَّهَا زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ.



قصة الإنفاق

عن جابر قال: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله والناس ببابه جلوس، والنبي جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أُذِنَ لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر لأكلمَنَّ النبي r لعله يضحك. فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفًا فوجأتُ عنقها. فضحك النبي صلى الله عليه و سلم حتى بدا ناجذه، وقال: "هُنَّ حَوْلِي يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ما ليس عنده. فنهاهما رسول الله فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ... الآية، قالت عائشة رضي الله عنها أفيكَ أستأمر أبويَّ؟! بل أختار الله ورسوله، وأسألك ألاَّ تذكر لامرأة من نسائك ما اخترتُ. فقال: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا لاَ تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَمَّا اخْتَرْتِ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا"[30].". قالت: وما هو؟ فتلا عليها: ". فقام أبو بكر.


اهتمام النبي بتعليمها

عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل علَيَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا عند حفصة، فقال لي: "ألا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ
وفي الحديث إشارة واضحة إلى أن السيدة حفصة - رضي الله عنها - كانت متعلمة للكتابة، وهو أمر نادر بين النساء في تلك الفترة الزمنيَّة الممتدة في عمق الزمن، ومما أعان على توفُّر العلم لدى السيدة حفصة - رضي الله عنها - وجودها في هذا المحضن التربوي بين أزواج النبي صلى الله عليه و سلم ، حيث اتصال السماء بالأرض، وتتابع نزول الوحي بالرسالة الخاتمة على الرسول الكريم

وقد نتج عن هذا كله أن صارت السيدة حفصة -رضي الله عنها- إحدى أهمِّ الفقيهات في العصر الأوَّل في صدر الإسلام، وكثيرًا ما كانت تُسأل فتجيب رضي الله عنها وأرضاها.


حياتها ومواقفها بعد النبي

بعد وفاة النبي لزمت السيدة حفصة -رضي الله عنها- بيتها، ولم تخرج منه إلاَّ لحاجة، وكانت هي وعائشة رضي الله عنهما – يدًا واحدة، فلمَّا أرادت عائشة الخروج إلى البصرة، همَّت حفصة -رضي الله عنها - أن تخرج معها، وذلك بعد مقتل عثمان، إلاَّ أن عبد الله بن عمر حال بينها وبين الخروج، وقد كانت - رضي الله عنها - بليغة فصيحة، قالت في مرض أبيها عمر بن الخطاب: "يا أبتاه ما يحزنك؟! وفادتك على ربِّ رحيم، ولا تبعة لأحد عندك، ومعي لك من البشارة لا أذيع السرَّ مرَّتين، ونعم الشفيع لك العدل، لم تَخْفَ على الله خشنة عيشتك، وعفاف نهمتك، وأخذك بأكظام المشركين والمفسدين في الأرض.


مشاركتها في الأحداث

ذكر ابن الجوزي في أحداث سنة ستٍّ وثلاثين أن طلحة والزبير انطلقوا إلى حفصة، فقالت: رأيِي تبعٌ لرأي عائشة حتى إذا لم يبقَ إلاَّ الخروج، قالوا: كيف نستقلُّ وليس معنا مال نجهز به الناس؟ فقال يعلى بن أمية: معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها. فقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهَّزوا بها.

فنادى المنادي: إن أمَّ المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ولم يكن عنده مركب، ولم يكن له جهاز؛ فهذا جهاز وهذه نفقة. فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى مَنْ كان له مركب - وكانوا جميعًا ألفًا - وتجهَّزوا بالمال، ونادوا بالرحيل واستقلُّوا ذاهبين
وأرادت حفصة الخروج، فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت، وبعثت إلى عائشة تقول: إن عبد الله حال بيني وبين الخروج. فقالت: يغفر الله لعبد الله.


حديثها

روت - رضي الله عنها - عن رسول الله وأبيها عمر بن الخطاب ستِّين حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد مسلم بستَّة، وقد روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين؛ كأخيها عبد الله، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وحارثة بن وهب، والمطلب بن أبي وداعة، وأمُّ مبشر الأنصارية، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن صفوان بن أمية، والمسيب بن رافع... وغيرهم، ومسندها في كتاب بقي بن مخلد ستُّون حديثًا
ومن أهمِّ ما تُرِكَ عندها صحائف القرآن الكريم، التي كُتبت في عهد أبي بكر الصديق بإشارة من عمر بن الخطاب وقد اعتمد عثمان بن عفان على صحائف القرآن الكريم التي كانت موجودة عندها - رضي الله عنها - في كتابة مصحف واحد للأمصار الإسلاميَّة .


وفاتها

تُوُفِّيَتْ - رضي الله عنها - في شعبان سنة 45 للهجرة، على أرجح الروايات، فقد قيل: سنة سبع وعشرين للهجرة في خلافة عثمان. وإنما جاء اللبس لأنه قيل: إنها تُوُفِّيَتْ في العام الذي فُتحت فيه إفريقيَّة، وقد بدأ فتحها في عهد عثمان، ثم تَمَّ الفتح عام 45 هـ، والراجح أنها تُوُفِّيت عام 45هـ؛ لأنها أرادت أن تخرج مع عائشة رضي الله عنها - إلى البصرة بعد مقتل عثمان، وكان ذلك في حدود عام 36 للهجرة، كما ذُكر من قبلُ رضي الله عنها وأرضاها





زينب بنت خزيمة رضي الله عنها..
26 ق. هـ - 4 هـ / 596 – 625 م

نسبها

هي زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليَّة، وهي أمُّ المساكين، وكانت تسمى بذلك في الجاهلية؛ لرحمتها إياهم ورقَّتها عليهم.
أمُّها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث، التي قيل عنها: "لا تُعْلَم امرأة من العرب كانت أشرف أصهارًا من هند بنت عوف، أُمِّ زينب وميمونة وأخواتهما". فأصهارها الرسول ، والعباس وحمزة ابنا عبد المطلب، وجعفر وعلي ابنا أبي طالب، وأبو بكر وشداد بن أسامة بن الهاد .
وكانت زينب - رضي الله عنها - عند الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف فطلَّقها، فتزوَّجها عبيدة بن الحارث فقُتل عنها يوم بدر شهيدًا. وكانت زينب بنت خزيمة أختًا لميمونة بنت الحارث – رضي الله عنهما- من الأمِّ.

حياتها قبل النبي

وقد قامت السيدة زينب بنت خزيمة - رضي الله عنها - بدَوْرٍ بارز مع نساء المسلمين في موقعة بدر، في خدمة الجرحى وتضميدهم، وتقديم الطعام والماء لهم، وقد استشهد زوجها عبد الله بن جحش في غزوة أحد.


زواجها من رسول الله

علم النبي بترملها، فرقَّ لحالها، وتزوَّجها رسول الله في العام الثالث من هجرته ، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية وَنَشًّ، وكان تزويجه إيَّاها في شهر رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة.


وفاتها
لم تمكث أمُّ المؤمنين زينب بنت خزيمة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم طويلاً؛ فقد لبثت عنده ثمانية أشهر أو أقلَّ، وماتت بالمدينة، وعمرها نحو ثلاثين سنة – رضي الله عنها.
  #4  
قديم 09-07-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : May 2009
الجنـــــــــــس : female
مكان الإقـامـة : وَرق’
المشاركـــــات :  53,234
افتراضي





سلمتِ فرح



  #5  
قديم 14-07-2011

الملف الشخصي
تاريخ التسجيل : Oct 2008
الجنـــــــــــس : female
مكان الإقـامـة : ¨°o.O IRAQO.o°¨
المشاركـــــات :  22,650
افتراضي

آلله يسلمك حبيبتي منوره وآلله
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أمهات, المؤمنين

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير قول الله تعالي ( قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ) لوليتا ركن القرآن والتفسير والتجويد 2 02-12-2012 04:55 PM
التناصر بين المؤمنين محب الصحابه منتدى الاسلامى العام 2 09-09-2012 06:41 PM


الساعة الآن 08:13 AM.


vBulletin® v3.8.8 Alpha 1, Copyright ©2000-2019
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات كذا ميزا
تحميل العاب كاملة 2013 تحميل برامج كاملة 2013 تحميل نسخة ويندوز تحميل خطوط جديدة 2013 العاب موبايل جديدة 2013
تحميل العاب 2013 وداعا لقطع النت بوستات حب كلام عتاب اكواد كول تون موبينيل 2013
تردد قناة الناس رسايل صور فلانتين تحميل لعبة gta san andreas اتارى زمان
نكت على البنات الحمل في المنام تحميل لعبة سبايدر مان كلام رومانسى حزين تحميل فايرفوكس 2013
مصراوي جيكس نكت قبيحة تحميل لعبة ميدل تحميل لعبة سبايدر مان 2 نسخ ويندوز 2013

Content Relevant URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110